المشاركات

عرض المشاركات من أبريل, 2026

​نهاية الأسد: كواليس تصفية الشريف أحمد الريسوني.. حين يغتال الاستعمار "مشروع الدولة"

صورة
​"نُشر هذا البحث وفاءً للمسيرة العلمية للمؤرخ السيد الوالد الطاهر اللهيوي، وصيانةً لذاكرة المنطقة ورجالاتها الذين صنعوا التاريخ." "الشريف أحمد الريسوني: الرجل الذي واجه الغدر بالصمود والسم بالكبرياء" بقلم: جعفر اللهيوي (أرشيف شمال المغرب) ​لا يكتب التاريخ دائماً بأيدي المنتصرين، بل أحياناً يكتب بمداد "المسكوت عنه" الذي طُمر تحت ركام الروايات الرسمية. إن الحديث عن وفاة الشريف مولاي أحمد الريسوني ليس مجرد سردٍ لنهاية رجل، بل هو كشفٌ عن عملية تصفية سياسية وجسدية استهدفت مشروعاً وطنياً (باتريوتياً) كان يطمح لسيادة المغرب كاملاً، ولم يقبل يوماً بفتات "الدويلات" أو "الإقطاعيات الإقليمية". ​ 1. الرجل الذي أراد "الكل": ​خلافاً لما روّجه بعض المؤرخين، لم يكن الريسوني ثائراً محلياً في جبال جبالة، بل كان يحمل رؤية "الدولة الشاملة". كان يرى في نفسه الرقم الصعب في معادلة السيادة المغربية، وهو ما جعله يشكل خطراً وجودياً على القوى الاستعمارية (فرنسا وإسبانيا). لقد أدرك الاستعمار أن الريسوني لا يمكن "تدجينه"، وأن طموحه يتج...

الشريف مولاي أحمد الريسوني: قيادة الجهاد وقائمة شرف قبائل جبالة

صورة
​"نُشر هذا البحث وفاءً للمسيرة العلمية للمؤرخ السيد الوالد الطاهر اللهيوي، وصيانةً لذاكرة المنطقة ورجالاتها الذين صنعوا التاريخ." ،تمهيد الشريف مولاي أحمد الريسوني: قيادة الجهاد وقائمة شرف قبائل جبالة "جانب من خيالة المجاهدين تحت لواء الشريف الريسوني أثناء تنقلهم بين القبائل الجبلية" ​تعتبر الفترة ما بين (1321هـ - 1343هـ / 1903م - 1925م) من أدق المراحل في تاريخ المقاومة بالشمال المغربي، حيث قاد الشريف مولاي أحمد الريسوني حركة نضالية استمرت لأكثر من أربعة وثلاثين سنة. ولم تكن هذه الحركة فردية، بل كانت تلتف حولها نخب عسكرية وقبلية من خيرة رجال "بلاد جبالة" الذين بايعوا على الجهاد والدفاع عن حوزة الوطن. ​أولاً: القيادة المركزية (هيئة أركان حرب الريسوني) ​تشكلت النواة الصلبة للقيادة من قادة محنكين أداروا العمليات العسكرية والسياسية من مقر القيادة في "تازروت": ​ القائد محمد الشريف ولد احميدو الخراز العروسي الخماسي : نائب الشريف في تازروت. ​ القائد أحمد بن دكون (الملقب ولد الفار): قائد القوة السيار. ​ القائد أحمد السماوي الريسوني السعيدي : ابن ع...

مؤتمر "رُكيبة طاكوك": حينما اجتمعت قبائل جبالة لتدبير مرحلة غياب الريسوني

صورة
​"نُشر هذا البحث وفاءً للمسيرة العلمية للمؤرخ السيد الوالد الطاهر اللهيوي، وصيانةً لذاكرة المنطقة ورجالاتها الذين صنعوا التاريخ." بقلم: من أرشيف المؤرخ الطاهر اللهيوي ​شهد تاريخ شمال المغرب محطات مفصلية لم تُنصفها الأقلام كثيراً، ومنها تلك اللحظات التي تلت غياب الشريف مولاي أحمد الريسوني عن المشهد المباشر في بعض المناطق. في هذا المقال، نسلط الضوء على وثيقة تاريخية نادرة من كتابات الوالد الطاهر اللهيوي ، تتحدث عن "مؤتمر رُكيبة طاكوك" الشهير. ​سياق المؤتمر وأهدافه ​لم يكن اجتماع "رُكيبة طاكوك" مجرد تجمع قبلي عابر، بل كان محاولة لتنظيم الصفوف في غياب القيادة المباشرة للريسوني. اجتمع في هذا المؤتمر كبار رؤساء القبائل، والعلماء، والأعيان للتباحث في أمرين أحلاهما مر: ​ استمرار الجهاد: كيف يمكن للقبائل أن تواجه الضغوط الاستعمارية دون قيادة مركزية موحدة؟ ​ الأمانة المالية: برزت في هذا الاجتماع قضية "الـ 20 ألف ريال مالي والـ 50 بقرة"، وهي الموارد التي كانت مخصصة لدعم المجاهدين والقبائل المحتاجة. ​تفاصيل من ذاكرة المؤرخ ​ينقل لنا المؤرخ الطاهر ...

زلزال "الزينات": حين أذلَّ الشريف الريسوني كبرياء الجنرال "سلبستري"

صورة
​"نُشر هذا البحث وفاءً للمسيرة العلمية للمؤرخ السيد الوالد الطاهر اللهيوي، وصيانةً لذاكرة المنطقة ورجالاتها الذين صنعوا التاريخ." مقدمة: القرية التي أرعبت مدريد ​لم تكن "الزينات" مجرد قرية هادئة في فحص طنجة، بل كانت "العاصمة الروحية" للمقاومة، والقلب النابض الذي ضخ دماء التحدي في عروق الشمال المغربي. من هنا، من بين شعابها ووديانها، خرجت الكلمات التي أطارت النوم من جفون ساسة إسبانيا، حتى أصبحت "الزينات" والاسم المرتبط بها — الشريف مولاي أحمد الريسوني — هماً يومياً يقض مضاجع القصر الملكي في مدريد. ​سلبستري.. وبحثٌ يائس عن مجدٍ زائف ​في مايو من عام 1913م، وبغرور القائد الذي يظن أن "رتبة كولونيل" تمنحه صك السيطرة، جمع الجنرال سلبستري جحافله من القصر الكبير والعرائش وأصيلا. لم يكن هدفه مجرد احتلال بقعة جغرافية، بل كان يسعى لمحو "الزينات" من خارطة الوجود، ظناً منه أن دكَّ هذه القرية سيُنهي أسطورة "الخلافة الريسونية". ​لكن التاريخ كان يخبئ لهذا الجنرال المتهور درساً قاسياً في فنون القتال الجبلي. ​ملحمة 27 جمادى الأول...

​ملحمة "إزوروت" الخالدة: حين أذل الشريف محمد أمزيان كبرياء الجنرالات الإسبان في قلب الريف

صورة
​"نُشر هذا البحث وفاءً للمسيرة العلمية للمؤرخ السيد الوالد الطاهر اللهيوي، وصيانةً لذاكرة المنطقة ورجالاتها الذين صنعوا التاريخ." مقدمة المقال: ​لم تكن المقاومة الريفية مجرد رد فعل عابر، بل كانت مدرسة في النضال والجهاد رسم معالمها رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه. وفي طليعة هؤلاء الأبطال، يبرز اسم الشريف محمد أمزيان ، الذي قاد معركة "إزوروت" التاريخية في مطلع عام 1912، محولاً جبال الريف الشرقي إلى مقبرة لضباط وجنود الاحتلال الإسباني. نستعرض في هذا المقال تفاصيل هذه المعركة كما وردت في بطون المخطوطات والكتب التاريخية. ​1. السياق التاريخي ومكان المعركة ​وقعت أحداث المعركة في منطقة "إزوروت" التابعة لقبيلة بني بويفرور في مطلع شهر محرم عام 1330 هـ (يناير 1912م). كانت القوات الإسبانية تسعى لتعزيز قبضتها على المراكز الاستراتيجية المحيطة بمليلية المحتلة، بينما كان المجاهدون قد عقدوا العزم في مركز "أجنادة" على تطهير الأرض من دنس المستعمر. ​2. ميزان القوى: الإيمان في مواجهة "المدافع الجهنمية" ​تصف المصادر التاريخية هذه المعركة بأنها كانت غير...

​مؤتمر سيدي مزوار 1912: تنظيم الصف الداخلي وإصلاح المجتمع قبل إعلان الجهاد

صورة
​"نُشر هذا البحث وفاءً للمسيرة العلمية للمؤرخ السيد الوالد الطاهر اللهيوي، وصيانةً لذاكرة المنطقة ورجالاتها الذين صنعوا التاريخ." مقدمة: ​في محطة تاريخية حاسمة من تاريخ المقاومة في شمال المغرب، وتحديداً في عام 1331 هـ / 1912م ، لم يكن انشغال الزعيم مولاي أحمد الريسوني مقتصرًا على السلاح والعتاد فحسب، بل كان يدرك أن النصر يبدأ من إصلاح البيت الداخلي. في ضريح الولي الصالح "سيدي مزوار"، اجتمع رؤساء القبائل المجاهدة لترسيخ ميثاق أخلاقي واجتماعي يكون أساساً للانطلاق نحو التحرير. ​ تفاصيل "اتفاق تطهير القبائل": ​عُقد هذا المؤتمر التاريخي برئاسة الشريف مولاي أحمد الريسوني، وخلص إلى قرار حازم بتطهير القبائل مما وُصف بـ"مظاهر الفساد" التي كانت تؤثر على تماسك المجتمع والمجاهدين. ​ أبرز نقاط الاتفاق: ​ حماية كرامة المجتمع: أمر المؤتمر بجمع النساء اللواتي كن يُستغللن في "البغي" والرقص والممارسات غير المشروعة، واللاتي بلغ عددهن 70 امرأة . ​ مركز التجميع: تم جمعهن بقلعة "حجر النسر" التاريخية بقبيلة سماتة ، حيث أحيطت العملية بصرام...

وجهان لعملة واحدة: جريدة "العلم" بين الخطاب الوطني وصراع السلطة الدموي

صورة
​"نُشر هذا البحث وفاءً للمسيرة العلمية للمؤرخ السيد الوالد الطاهر اللهيوي، وصيانةً لذاكرة المنطقة ورجالاتها الذين صنعوا التاريخ." بينما كانت صفحات جريدة "العلم" تفيض بشعارات التحرر والوحدة والكرامة، كان الواقع الميداني يشهد فصولاً قاتمة من الصراع على السلطة. لا يمكن قراءة هذا الأرشيف بمعزل عن الدور "الإقصائي" الذي لعبه حزب الاستقلال آنذاك، والذي وصل في كثير من الأحيان إلى حد التصفيات الجسدية ضد المعارضين والمخالفين في الرأي. ​1. "العلم" كأداة للهيمنة الفكرية ​لم تكن الجريدة مجرد ناقل للخبر، بل كانت وسيلة لفرض "الرواية الواحدة". ففي الوقت الذي كانت تهاجم فيه الاستعمار (كما نرى في مقالات قضية المستعمرات الإيطالية)، كانت تتجاهل أو تشيطن القوى الوطنية الأخرى التي لا تدور في فلك الحزب، مما مهد الطريق لمرحلة "الحزب الوحيد" التي اتسمت بالعنف السياسي. ​2. التناقض بين "القيم" و "الممارسة" ​ في الجريدة: نجد مقالات عن "أدباء ورجال" تُعلي من شأن الأخلاق والنضال. ​ في الواقع: كانت فرق "اليد السود...

بين مصلحة "التعليم" وقيد "المحمية": قراءة في تظلم منسي للمؤرخ الطاهر اللهيوي

صورة
​"نُشر هذا البحث وفاءً للمسيرة العلمية للمؤرخ السيد الوالد الطاهر اللهيوي، وصيانةً لذاكرة المنطقة ورجالاتها الذين صنعوا ​ "وثيقة تاريخية: مسودة تظلم بخط يد المؤرخ الطاهر اللهيوي، مؤرخة في غشت 1962، تكشف جانباً من كفاحه المهني ضد البيروقراطية الإدارية." الاستهلال (التسريب الأدبي): ​"يقولون إن التاريخ يُكتب بمداد المنتصرين، لكن الحقيقة تسكن في مسودات المظلومين. بين طيات الأوراق الصفراء، لا نجد تواريخ وأرقاماً فحسب، بل نجد أنفاساً تقاوم الاختناق، وكلماتٍ تقف كالسد المنيع أمام جارف التبعية. هذه الوثيقة التي بين أيدينا اليوم، ليست مجرد تظلم إداري من عام 1962، بل هي 'شرارة' وعي مبكر أطلقها الوالد الطاهر اللهيوي (رحمه الله) في وجه آلة إدارية مفرنجة، كانت تحاول صبّ الشمال الأبي في قالب 'ليوطي' العقيم." ​ جوهر الموضوع: ​ 1. صرخة في وادي "السيبة" المقنعة: ​في وقت كانت فيه الدولة الفتية تترنح تحت وطأة الموروث البيروقراطي الفرنسي، كان الوالد يخط بيمينه دفاعاً عن كرامته المهنية. لم يكن الصراع حول "انتقال" من الحسيمة إلى تطوان فحس...

من خبايا الأرشيف: قراءات في مخطوطات المؤرخ الطاهر اللهيوي حول معالم الشمال

صورة
​"نُشر هذا البحث وفاءً للمسيرة العلمية للمؤرخ السيد الوالد الطاهر اللهيوي، وصيانةً لذاكرة المنطقة ورجالاتها الذين صنعوا التاريخ." قراءة في نص المخطوط تفريغ نص المخطوطة: ​"الحمد لله وحده.. وبه نستعين خبر الروضة والمنسحب وجد في النسخة (أن المستسلم لمسلم؟) ونقل على النبي العربي صلى الله عليه وسلم في مدينة أصيلة مدينة وصول بطل (..) خمسة في شهر رجب الفرد عام (..) تدوين وقرار"   تحليل تاريخي للمخطوط (يُوضع في المقال): ​ "دلالات النص التاريخية: أصيلة في ذاكرة المخطوط" ​"يبرز هذا المخطوط اهتماماً خاصاً بمدينة أصيلة ، وهي المدينة التي ارتبطت تاريخياً بالعلم والجهاد ومواجهة الأطماع الأجنبية في شمال المغرب. إن ذكر مدينة أصيلة كـ 'مدينة وصول' أو ارتباطها بحدث في 'شهر رجب الفرد' ، يشير إلى توثيق الوالد —رحمه الله— لحدث مفصلي ربما يتعلق بحركة التنقلات العلمية أو الأحداث الإدارية في المنطقة. ​كما أن الإشارة إلى 'خبر الروضة' تفتح لنا آفاقاً حول أبحاثه في الطبوغرافيا الجنائزية أو الأماكن المقدسة والمقابر التاريخية التي كانت تحظى بع...

من خزانة الطاهر اللهيوي: صفحات مطوية من تاريخ الشمال (بين أدب الرحلة ومرافعات السياسة)

صورة
​ سِفر الخلود: آل اللهيوي.. عبق النسب، منارات العلم، وملاحم التاريخ ​ تمهيد: أمانة الذاكرة وإرث المؤرخ بين أيدينا نصوصٌ تستنطقُ التاريخ، استخرجناها من تضاعيف خزانة الوالد المؤرخ الطاهر اللهيوي ؛ وهي أوراق تتجاوز سرد الوقائع لتكون شهادة حية على مسار أسرة عريقة بصمت تاريخ المغرب؛ انطلاقاً من قمم جبال "دارة" و"شفشاون"، ووصولاً إلى حواضر العلم في "تطوان" و"فاس"، ثم كواليس المقاومة والسياسة في الثغور الشمالية. ​ 1. الجذور والأصول: من فجر الفتح إلى ربوع شفشاون ​تضرب جذور العائلة عميقاً في التاريخ، حيث تبدأ الحكاية مع الجد الأعلى "الحسين بن الحسين المعروف بأخزان الزجلي" . تشير المخطوطات (ولا سيما وثيقة أنساب الزجليين) إلى قدومه من المشرق في ركاب الفاتح موسى بن نصير سنة 92هـ. استقر الجد أولاً بـ "فحص تطوان"، ثم ارتقى الجبل ليحط الرحال في "وادي الأمان" بقرية "دارة" ضواحي شفشاون، حيث شيد مسجداً ومنارة ظلت رسومها شاهدة على عراقة الاستقرار. وقد عضد الفقيه القاضي أبو العباس أحمد بن الحسن الزجلي (قاضي شفشاون) هذا ا...

​أحمد أخريرو: القائد الأصغر سناً في تاريخ المقاومة الجبلية ومعركة جبال غرغيز

صورة
​"نُشر هذا البحث وفاءً للمسيرة العلمية للمؤرخ السيد الوالد الطاهر اللهيوي، وصيانةً لذاكرة المنطقة ورجالاتها الذين صنعوا التاريخ." أخريرو: القائد الأصغر سناً الذي أربك حسابات الاستعمار وجال  بنصره جبال غرغيز صورة نادرة تُنسب للقائد الشاب أحمد أخريرو (الواقف) مع بعض مرافقيه في قمة أحد جبال منطقة جبالة، مستطلعين تحركات العدو، وتظهر جلياً طبيعة التضاريس الوعرة التي حولها المقاومون إلى حصون طبيعية، وربما تكون هذه هي 'جبال غرغيز' الشامخة."   وهو ما تظهره الصورة النادرة المرفقة في بداية المقال، حيث تبرز هيئة المجاهدين وسط تلك التضاريس القاسية ​ بقلم: أرشيف شمال المغرب ​لا يمكن قراءة تاريخ المقاومة في شمال المغرب دون التوقف إجلالاً أمام تجربة القائد الشاب أحمد أخريرو . هذا البطل الذي لم يمنعه صغر سنه من أن يكون رقماً صعباً في المعادلة العسكرية والسياسية لمنطقة جبالة والريف، محولاً وعورة التضاريس إلى سلاح فتاك، ومثبتاً أن القيادة فطرية لا تكتسب بالسنوات بل بالمواقف والبطولات. ​في وقت ظنت فيه الحامية الإسبانية بمدينة تطوان أنها في مأمن خلف حصونها، شنّ القائد أخريرو عملي...

بين قسوة الريسوني وعنفوان الريف: لماذا سقطت "الأرض" في فخ "العشبة"؟

صورة
​"نُشر هذا البحث وفاءً للمسيرة العلمية للمؤرخ السيد الوالد الطاهر اللهيوي، وصيانةً لذاكرة المنطقة ورجالاتها الذين صنعوا التاريخ." المقدمة: مأساة "المحصول" الضائع ​في وقت ينشغل فيه البعض بتبذير المال العام، وتتحول فيه المؤسسات إلى دمى صورية، يبرز السؤال المرعب: لماذا يتكاتف الريفيون حول هويتهم الترابية كالبنيان المرصوص، بينما يغرق "جبالة" في اقتتال مادي مرير على أمتار لزراعة القنب الهندي؟ ولماذا كان الشريف أحمد الريسوني يجلد هذه القبائل بسياط القسوة؟ ​لم يكن مولاي أحمد الريسوني قاسياً مع قبائل جبالة من فراغ. لقد أدرك "سلطان الجبال" مبكراً أن التعامل مع تركيبة بشرية تميل إلى التشتت، والنزاعات الفردية، و"البخل المعنوي" تجاه القضية الكبرى، يحتاج ليد من حديد. ​ القسوة كدواء: كان يعلم أن هذه القبائل إذا لم تُسق بالقوة، ستأكل بعضها بعضاً من أجل "أتفه الأشياء". ​ غياب المؤسسة: بمجرد رحيل الريسوني، انفرط العقد، واختفت الهيبة، لأن الولاء كان للرجل القوي وليس لفكرة "الدولة" أو "الهوية الجامعة". ​ 1. الريسوني وسياط...

مولاي أحمد الريسوني.. من يُتم "زاوية تطوان" إلى زعامة الجب

صورة
​"نُشر هذا البحث وفاءً للمسيرة العلمية للمؤرخ السيد الوالد الطاهر اللهيوي، وصيانةً لذاكرة المنطقة ورجالاتها الذين صنعوا التاريخ." "مقتطف من كتاب تاريخ الزعيم مولاي أحمد الريسوني - مكتبة الطاهر اللهيوي" . ​ تمهيد: غالباً ما تذهب التحليلات التاريخية مباشرة إلى الحروب والصراعات، لكن المؤرخ  الطاهر اللهيوي  في توثيقه لسيرة الشريف الريسوني، يأخذنا إلى الجذور الأولى؛ حيث وُلدت الشخصية من رحم المعاناة والتربية الروحية العميقة. ​ 1. الميلاد والبيئة الأولى: وُلد الشريف مولاي أحمد بقرية  "الزينات"  الفحصية عام  1285 هـ / 1868م . لم تكن ولادته مجرد حدث عادي، بل جاء في أسرة عريقة من أنبل العائلات العلمية في بني عروس وغيرها، مشبعة بالسلوك الديني والجهادي. ​ 2. مأساة اليتم وبناء الذات: تلقى الريسوني أولى صدمات الحياة بوفاة والده وهو لا يزال طفلاً صغيراً، فتركه بـ  "زاوية تطوان"  بين أجداده. هذا اليتم لم يكسره، بل دفعه للتحصيل العلمي الجاد. استأجر له والده قبل رحيله فقيهاً مقرئاً من خيرة حملة القرآن، فأتم حفظه وهو في سن  الثالثة عشرة  برواية ورش، وهو ما شكل...

الكولونيل "ماكلان" في ضيافة الريسوني

صورة
​"نُشر هذا البحث وفاءً للمسيرة العلمية للمؤرخ السيد الوالد الطاهر اللهيوي، وصيانةً لذاكرة المنطقة ورجالاتها الذين صنعوا التاريخ." ​  الأسير الذي أذهل عواصم العالم ​بناءً على ما جاء في صفحات كتاب الوالد الطاهر اللهيوي ، "تاريخ الزعيم أحمد الريسوني" (الصفحات 210-211)، نكشف اليوم عن واحدة من أكثر القصص إثارة في تاريخ الدبلوماسية الدولية بشمال المغرب؛ قصة اختطاف الكولونيل الإنجليزي "ماكلان" ، مدرب الجيش المغربي. ​ عملية الاختطاف: زلزال في عواصم القرار ​يروي الوالد بأسلوبه التوثيقي الرصين كيف اهتزت عواصم العالم، من لندن إلى طنجة، فور وصول نبأ وقوع الكولونيل ماكلان في قبضة الشريف الريسوني. لم تكن العملية مجرد عمل عسكري، بل كانت رسالة سياسية شديدة اللهجة للمخزن والقوى الدولية. يذكر الكتاب كيف اشتعلت خطوط البرق (التلغراف) والاتصالات بين السفارات والقنصليات، حيث كان ماكلان يمثل ركيزة أساسية في تحديث الجيش المغربي تحت إشراف بريطاني. ​ من الأسر إلى الضيافة: أخلاق الجبال ​الجانب الأكثر إدهاشاً في هذا الأرشيف هو "إنسانية الأسر". ينقل الوالد (ص 211) شهادة...

أسرار "الخمسين قافاً" وحصانة الجسد

صورة
​"نُشر هذا البحث وفاءً للمسيرة العلمية للمؤرخ السيد الوالد الطاهر اللهيوي، وصيانةً لذاكرة المنطقة ورجالاتها الذين صنعوا التاريخ." ​ الجانب الروحي في كتاب "تاريخ الزعيم أحمد الريسوني " ​في إطار مشروعنا لرقمنة ونشر درر من خزانة الوالد، المؤرخ الطاهر اللهيوي ، نتوقف اليوم عند فصل غاية في الأهمية من كتابه "تاريخ الزعيم أحمد الريسوني" . هذا الفصل لا يؤرخ فقط للمعارك والدبلوماسية، بل يغوص في "الميتافيزيقيا" الشعبية والروحية التي سادت جبال الشمال المغربي مطلع القرن العشرين، وكيف استُخدم القرآن الكريم كدرع معنوي ومادي للمجاهدين. ​ فلسفة "الخمسين قافاً": القرآن درعاً للمجاهد ​ينقل المؤرخ الطاهر اللهيوي في الصفحة (208) أن الذاكرة الصوفية في شمال المغرب احتفظت بـ "سر" تلاوة خمس آيات مخصوصة من الذكر الحكيم. القاسم المشترك بين هذه الآيات هو احتواء كل واحدة منها على حرف "القاف" عشر مرات، ليكون المجموع خمسون قافاً. ​كان الاعتقاد السائد بين "حمالة القرآن" والأتقياء من خدام الزوايا أن لهذه الآيات خواصاً عجيبة في "ح...

​"عولة الريسوني": حينما تحولت الحرب إلى نهضة اقتصادية في تطوان ونواحيها

صورة
​"نُشر هذا البحث وفاءً للمسيرة العلمية للمؤرخ السيد الوالد الطاهر اللهيوي، وصيانةً لذاكرة المنطقة ورجالاتها الذين صنعوا التاريخ." لا يمكن قراءة تاريخ شمال المغرب بمعزل عن اللوجستيك العسكري المحكم الذي أداره الزعيم أحمد الريسوني (الملقب بـ "Jefe" أو "القائد"). فبعيداً عن المعارك، كانت هناك "آلة اقتصادية" تدور بلا توقف، حيث لم يذهب المحارب يوماً "جوعان مفني" لمقاومة الاستعمار، بل كان مسنوداً بمنظومة احترافية أحياناً تتفوق في دقتها على ملاحم الخيول العالمية. ​ 1. ملاح تطوان: ورشة السلاح والخيول ​كانت ملاحات تطوان خلايا نحل لا تهدأ؛ حيث برع الحرفيون اليهود في صناعة "حوافر الخيول" (الصفائح) بمتانة استثنائية لتتحمل وعورة مسالك جبالة الصخرية. هذه الورشات لم تكن تصنع الحوافر فحسب، بل كانت مراكز للصناعات المعدنية والجلدية التي جهزت جيش الزعيم بأجود السروج واللوازم، مما جعل من الملاح شريكاً اقتصادياً أساسياً في تلك الحقبة. سلالات الهيجاء: ترويض الخيل في قبائل "ماطا" ​في مرتفعات جبالة، وتحديداً في قبيلة ماطا ، كان يتم تروي...