الكولونيل "ماكلان" في ضيافة الريسوني

​"نُشر هذا البحث وفاءً للمسيرة العلمية للمؤرخ السيد الوالد الطاهر اللهيوي، وصيانةً لذاكرة المنطقة ورجالاتها الذين صنعوا التاريخ."

 الأسير الذي أذهل عواصم العالم

صورة تاريخية للكولونيل الإنجليزي هاري دي فير ماكلان بالزي المخزني المغربي الفاخر والعمامة البيضاء


​بناءً على ما جاء في صفحات كتاب الوالد الطاهر اللهيوي، "تاريخ الزعيم أحمد الريسوني" (الصفحات 210-211)، نكشف اليوم عن واحدة من أكثر القصص إثارة في تاريخ الدبلوماسية الدولية بشمال المغرب؛ قصة اختطاف الكولونيل الإنجليزي "ماكلان"، مدرب الجيش المغربي.

عملية الاختطاف: زلزال في عواصم القرار

​يروي الوالد بأسلوبه التوثيقي الرصين كيف اهتزت عواصم العالم، من لندن إلى طنجة، فور وصول نبأ وقوع الكولونيل ماكلان في قبضة الشريف الريسوني. لم تكن العملية مجرد عمل عسكري، بل كانت رسالة سياسية شديدة اللهجة للمخزن والقوى الدولية. يذكر الكتاب كيف اشتعلت خطوط البرق (التلغراف) والاتصالات بين السفارات والقنصليات، حيث كان ماكلان يمثل ركيزة أساسية في تحديث الجيش المغربي تحت إشراف بريطاني.

من الأسر إلى الضيافة: أخلاق الجبال

​الجانب الأكثر إدهاشاً في هذا الأرشيف هو "إنسانية الأسر". ينقل الوالد (ص 211) شهادة تاريخية على لسان الكولونيل ماكلان نفسه، الذي لم يُعامل كعدو مهان، بل كضيف معزز في قلب زاوية الأخماس.

​يقول ماكلان في مذكراته التي أوردها الوالد: "لا أزال أتذكر أيام ذلك الأسر في الجبال، وليس لي في حياتي كلها شهور أطيب منها". لقد كان الريسوني يحرص على توفير كل سبل الراحة لأسيره، وخصص له مرافقين يسامرونه ويؤنسون وحشته، لدرجة أن الكولونيل أُعجب بنبل أخلاق قبائل جبالة ونظام حياتهم، وهو ما يفسر كيف ذابت الفوارق بين السجان والسجين في ظل قيم "الضيافة الإسلامية".

شروط الحرية: ذكاء "الجيف" السياسي

​لم يكن الريسوني ليفرط في هذه الورقة الرابحة دون ثمن سياسي باهظ. يوثق الكتاب الشروط الثلاثة التي وضعها الزعيم (الجيف) للقبول بإطلاق سراح ماكلان:

  1. الاعتراف بالشرعية: إصدار ظهير سلطاني يعترف بمكانته ونفوذه بعيداً عن قرارات "الجزيرة الخضراء".
  2. التغيير السياسي: اشتراطه تنازل السلطان عن العرش لأخيه المولى عبد الحفيظ، وهو ما يعكس بعد نظره في تغيير موازين القوى.
  3. الأمان الشخصي: أن يوقع السلطان بنفسه وثيقة الأمان للريسوني لضمان عدم الغدر به مستقبلاً.

شهادة المورخ اللبناني "أمين ريحاني"

​يضيف الوالد في أرشيفه لمحة أدبية، حيث يستشهد بما نقله المؤرخ العربي المسيحي اللبناني أمين ريحاني عن لقائه بشخص في كنيسة إشبيلية كان خادماً للكولونيل ماكلان أثناء أسره في زاوية الأخماس. هذا الخادم ظل يتحدث بإعجاب منقطع النظير عن هيبة الشريف الريسوني وجمال وجهه ووقاره، مما يؤكد أن هيبة الزعيم كانت تتجاوز الحدود والأديان.


المكيدة والمناورة: كيف أفشل الريسوني مخططات "بن البغدادي"؟

​في هذا الجزء الأخير من قراءتنا في كتاب "تاريخ الزعيم أحمد الريسوني" للمؤرخ الطاهر اللهيوي، ننتقل من كواليس الدبلوماسية إلى ميدان المواجهة العسكرية والدهاء الذي ميز "الجيف" في التعامل مع الأزمات.

1. شروط الريسوني: القوة في التفاوض

​يوثق الوالد في أرشيفه أن الشريف الريسوني وضع شروطاً حازمة للصلح، منها إصدار ظهير سلطاني يعترف بمكانته، ومطالبة السلطان بالتنازل عن العرش لأخيه المولى عبد الحفيظ.

2. محلة "بن البغدادي" ومحاولة الغدر

​يروي الكتاب (ص 212-213) تفاصيل التحرك العسكري الضخم الذي قاده القائد بوشتى بن البغدادي بتوجيه من المخزن لمحاصرة الريسوني. يصف الوالد كيف استطاع الريسوني بذكائه استباق محاولات الغدر، والتحرك بجيشه عبر مسالك وعرة في جبال الشمال، مستنداً إلى دعم قبائل بني عروس والأخماس.

3. جغرافيا الصمود

​يذكر النص أسماءً جغرافية دقيقة شكلت مسرحاً لهذه الأحداث، مثل مدشر الغراف، قلعة حجر النسر، وزاوية الشيخ التليدي. هه الأسماء تؤكد دقة التوثيق الذي قام به الوالد في تأريخ هذه الحقبة.

صفحة 213 من كتاب تاريخ الزعيم أحمد الريسوني للمؤرخ الطاهر اللهيوي توثق تحركات المحلات العسكرية وقبائل جبالة


Part 2: Colonel Maclean in the Hospitality of Al-Raysuni

​Based on the archives of the historian Taher El Lhioui in his book "The History of the Leader Ahmad al-Raysuni" (pages 210-211), we reveal one of the most intriguing diplomatic stories in Northern Morocco: the kidnapping of the British Colonel Harry de Vere Maclean, the instructor of the Moroccan army.

  • A Global Shock: The news of Maclean’s capture by Al-Raysuni shook world capitals. It wasn't merely a military action but a profound political message to the Moroccan "Makhzen" and international powers.
  • From Captivity to Hospitality: The most remarkable aspect is the "humanity of captivity." Maclean himself stated in his memoirs, as cited by El Lhioui: "I still remember those days of captivity in the mountains; I have never had a more pleasant few months in my entire life." Al-Raysuni ensured Maclean was treated as an honored guest in the Akhmas region, reflecting the noble ethics of the Jbala tribes.
  • The Intelligence of "El Jefe": Al-Raysuni used this leverage to demand political reforms, including a Royal Decree (Dahir) recognizing his administrative authority and ensuring his personal safety.

Part 3: Military Confrontation and Strategic Cunning

​The final part of this series focuses on the military genius of Ahmad al-Raysuni as documented in pages 212-213 of my father’s archive.

  • The Siege of Ben Baghdadi: Following the kidnapping, the "Makhzen" dispatched a large military force (Mehalla) led by Bushta Ben Baghdadi, supported by foreign logistics, to crush Al-Raysuni's influence.
  • Guerrilla Warfare in the Mountains: Al-Raysuni utilized his deep knowledge of the rugged terrain. He maneuvered his forces between Beni Arrous and Akhmas, turning the mountains into a strategic chessboard.
  • Geography of Resistance: The archive precisely documents the involvement of local tribes such as Beni Hassan, Beni Messouar, and Jbel Habib, along with key strongholds like the Hajar al-Nisr fortress.
  • Diplomatic Victory: Despite the threat of the British fleet off the coast of Tangier, Al-Raysuni’s composure and refusal to surrender under pressure forced a return to negotiations, ultimately securing his position and the withdrawal of the government forces.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الزعيم الأسطورة مولاي أحمد الريسوني: جولة في عقل ثائر".

المكيدة الكبرى: حين عجز الرصاص ولجأ الاستعمار إلى الغدر لإسقاط الريسوني

Episode 53: Decoding History – The Strategic Architecture of the 1921 Northern Moroccan Resistance