وجهان لعملة واحدة: جريدة "العلم" بين الخطاب الوطني وصراع السلطة الدموي

​"نُشر هذا البحث وفاءً للمسيرة العلمية للمؤرخ السيد الوالد الطاهر اللهيوي، وصيانةً لذاكرة المنطقة ورجالاتها الذين صنعوا التاريخ."


أرشيف جريدة العلم، الطاهر اللهيوي، تاريخ المغرب

بينما كانت صفحات جريدة "العلم" تفيض بشعارات التحرر والوحدة والكرامة، كان الواقع الميداني يشهد فصولاً قاتمة من الصراع على السلطة. لا يمكن قراءة هذا الأرشيف بمعزل عن الدور "الإقصائي" الذي لعبه حزب الاستقلال آنذاك، والذي وصل في كثير من الأحيان إلى حد التصفيات الجسدية ضد المعارضين والمخالفين في الرأي.

​1. "العلم" كأداة للهيمنة الفكرية

​لم تكن الجريدة مجرد ناقل للخبر، بل كانت وسيلة لفرض "الرواية الواحدة". ففي الوقت الذي كانت تهاجم فيه الاستعمار (كما نرى في مقالات قضية المستعمرات الإيطالية)، كانت تتجاهل أو تشيطن القوى الوطنية الأخرى التي لا تدور في فلك الحزب، مما مهد الطريق لمرحلة "الحزب الوحيد" التي اتسمت بالعنف السياسي.

​2. التناقض بين "القيم" و "الممارسة"

  • في الجريدة: نجد مقالات عن "أدباء ورجال" تُعلي من شأن الأخلاق والنضال.
  • في الواقع: كانت فرق "اليد السوداء" أو المجموعات التابعة للحزب تمارس الترهيب ضد الخصوم السياسيين، وهو ما يجعل من هذه الصفحات مادة للدراسة السيكولوجية: كيف يُستخدم القلم لتجميل قبح الصراعات الدموية؟

بين شعارات التحرير وصراع الهيمنة

تعتبر جريدة "العلم" في هذه الفترة (أواخر الأربعينيات) مرآة عاكسة للتناقض الصارخ؛ فبينما كانت صفحاتها تتبنى قضايا تحرر الشعوب، مثل "قضية المستعمرات الإيطالية" ونجاحات "الوفد الإندونيسي" ضد الاستعمار الهولندي، كانت في الوقت ذاته تمثل الذراع الإعلامي لحزب الاستقلال الذي سار في نهج إقصائي تجاه القوى الوطنية الأخرى.

المحور الاقتصادي والاجتماعي: السيطرة خلف الأرقام

تستعرض الجريدة في قسم "صادرات شهر أكتوبر" بيانات تفصيلية عن حركة التجارة (الحوامض والباكور)، وهي أرقام توثق كيف كان الاقتصاد المغربي تحت الحماية يُدار لخدمة المصالح الخارجية، وهو ما كان والدنا المؤرخ الطاهر اللهيوي يحلله في سياق رصده لتاريخ المنطقة ومعاناة سكانها.

المحور الثقافي: صناعة الرموز

من خلال زاوية "أدباء ورجال" والحديث عن الإنتاج الأدبي، نجد محاولة لصياغة هوية ثقافية موحدة. ولكن، من منظور نقدي، نرى كيف استُخدمت الثقافة لتكريس زعامة معينة وتهميش أصوات فكرية أخرى، خاصة في منطقة الشمال والريف التي كانت تمتلك خصوصية نضالية وفكرية مستقلة.

خاتمة المقال:

إن إعادة نشر هذه الصفحات اليوم هو دعوة للقارئ والباحث لعدم الاكتفاء بالظاهر، بل القراءة ما بين السطور لفهم كيف صُنعت "الرواية الرسمية" في ميزان تلك الحقبة الدموية، وفاءً للحقيقة التاريخية وصيانةً لذاكرة أجيالنا.




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الزعيم الأسطورة مولاي أحمد الريسوني: جولة في عقل ثائر".

المكيدة الكبرى: حين عجز الرصاص ولجأ الاستعمار إلى الغدر لإسقاط الريسوني

Episode 53: Decoding History – The Strategic Architecture of the 1921 Northern Moroccan Resistance