أسرار "الخمسين قافاً" وحصانة الجسد
الجانب الروحي في كتاب"تاريخ الزعيم أحمد الريسوني"
في إطار مشروعنا لرقمنة ونشر درر من خزانة الوالد، المؤرخ الطاهر اللهيوي، نتوقف اليوم عند فصل غاية في الأهمية من كتابه "تاريخ الزعيم أحمد الريسوني". هذا الفصل لا يؤرخ فقط للمعارك والدبلوماسية، بل يغوص في "الميتافيزيقيا" الشعبية والروحية التي سادت جبال الشمال المغربي مطلع القرن العشرين، وكيف استُخدم القرآن الكريم كدرع معنوي ومادي للمجاهدين.
فلسفة "الخمسين قافاً": القرآن درعاً للمجاهد
ينقل المؤرخ الطاهر اللهيوي في الصفحة (208) أن الذاكرة الصوفية في شمال المغرب احتفظت بـ "سر" تلاوة خمس آيات مخصوصة من الذكر الحكيم. القاسم المشترك بين هذه الآيات هو احتواء كل واحدة منها على حرف "القاف" عشر مرات، ليكون المجموع خمسون قافاً.
كان الاعتقاد السائد بين "حمالة القرآن" والأتقياء من خدام الزوايا أن لهذه الآيات خواصاً عجيبة في "حفظ الجسم من رصاص البنادق". ويؤكد الوالد أن هذه الأسرار لم تكن مجرد أوهام، بل كانت جزءاً من "السلاح المعنوي" الذي يمنح المقاتل الجبلي شجاعة منقطعة النظير، لاعتقاده الجازم بأنه في حرز مكنون.
الآيات الخمس كما أوردها الأرشيف:
- من سورة البقرة: آية الملاء من بني إسرائيل (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلأِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ...)، وهي آية تحمل دلالات القوة والملك والمواجهة.
- من سورة آل عمران: آية (لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ...)، وتبرز الصراع بين الحق والباطل.
- من سورة النساء: آية (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ...)، وهي آية نزلت في سياق الإذن بالقتال.
- من سورة المائدة: آية نبأ ابني آدم (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ...).
- من سورة المزمل: آية قيام الليل (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ...)، والتي تربط بين التعبد والتمكين.
اللقاء الروحي: الشريف الريسوني والولي ابن يرمق
في تفصيل تاريخي مشوق (ص 209)، يروي الوالد أن الزعيم مولاي أحمد الريسوني، قبل انطلاقه في إحدى حملاته الجهادية ضد النصارى، شد الرحال إلى قرية "عين بيطة" لزيارة أحد أقطاب الولاية في زمانه: الولي الصالح سيدي أحمد بن يرمق (رحمه الله).
في هذا اللقاء، لم يطلب الريسوني سلاحاً أو مالاً، بل طلب "المدد الروحي". ويذكر الكتاب أن الشيخ ابن يرمق زوّده بـ "إذن" خاص وقراءة لسر الخمسين قافاً، وهو ما يُعرف في الأدبيات الصوفية بـ "التسليم". هذا الإذن جعل من الريسوني شخصية مهابة، ليس فقط لذكائه العسكري، بل لكونه "مؤيداً" ببركة الصالحين، مما جعل الرصاص -في نظر مريديه وأعدائه على حد سواء- عاجزاً عن اختراق جسده.
الأبعاد التاريخية لتدوينات الطاهر اللهيوي
إن قيمة ما كتبه الوالد رحمه الله تكمن في ربط هذه "الكرامات" بالواقع الميداني. فهو يذكر أسماء مشايخ الرماية في ذلك الوقت، مثل: الشيخ حساين في بني عروس، والشيخ بولنجاص في الأخماس، والشيخ أنقار في قبيلة الحوز. هؤلاء الشيوخ كانوا يمزجون بين تدريب الرجال على القنص وبين تلقينهم هذه الأوراد، مما خلق جيشاً يجمع بين "المهارة التقنية" و"العقيدة الراسخة".
خاتمة الجزء الأول
إن إعادة قراءة كتاب "تاريخ الزعيم أحمد الريسوني" اليوم تجعلنا نفهم لماذا استعصى شمال المغرب على القوى الاستعمارية لسنوات طويلة. لم يكن الأمر مجرد بنادق "شاشبو" و"موزر"، بل كان حصناً من العقيدة والارتباط الروحي بالأرض وبالخالق.

تعليقات
إرسال تعليق
We value your valuable feedback on these archive documents. Feel free to leave a comment—signing in with Google is optional if you'd like your name attached to your contribution