مؤتمر "رُكيبة طاكوك": حينما اجتمعت قبائل جبالة لتدبير مرحلة غياب الريسوني

​"نُشر هذا البحث وفاءً للمسيرة العلمية للمؤرخ السيد الوالد الطاهر اللهيوي، وصيانةً لذاكرة المنطقة ورجالاتها الذين صنعوا التاريخ."

بقلم: من أرشيف المؤرخ الطاهر اللهيوي

​شهد تاريخ شمال المغرب محطات مفصلية لم تُنصفها الأقلام كثيراً، ومنها تلك اللحظات التي تلت غياب الشريف مولاي أحمد الريسوني عن المشهد المباشر في بعض المناطق. في هذا المقال، نسلط الضوء على وثيقة تاريخية نادرة من كتابات الوالد الطاهر اللهيوي، تتحدث عن "مؤتمر رُكيبة طاكوك" الشهير.


"وثيقة مؤتمر ركيبة طاكوك من كتاب الطاهر اللهيوي


​سياق المؤتمر وأهدافه

​لم يكن اجتماع "رُكيبة طاكوك" مجرد تجمع قبلي عابر، بل كان محاولة لتنظيم الصفوف في غياب القيادة المباشرة للريسوني. اجتمع في هذا المؤتمر كبار رؤساء القبائل، والعلماء، والأعيان للتباحث في أمرين أحلاهما مر:

  1. استمرار الجهاد: كيف يمكن للقبائل أن تواجه الضغوط الاستعمارية دون قيادة مركزية موحدة؟
  2. الأمانة المالية: برزت في هذا الاجتماع قضية "الـ 20 ألف ريال مالي والـ 50 بقرة"، وهي الموارد التي كانت مخصصة لدعم المجاهدين والقبائل المحتاجة.

​تفاصيل من ذاكرة المؤرخ

​ينقل لنا المؤرخ الطاهر اللهيوي في صفحات كتابه (ص 365-366) تفاصيل دقيقة عن الحوارات التي دارت. فقد كان هناك صراع بين الرغبة في الحفاظ على تماسك القبائل وبين الخوف من تشتت الموارد المالية والعسكرية.

​ويذكر الوالد رحمه الله أن هذا المؤتمر كشف عن وعي سياسي مبكر لدى أعيان قبائل جبالة، حيث حاولوا مأسسة العمل المقاوم رغم الظروف الصعبة والتقلبات السياسية التي كانت تعصف بالمنطقة آنذاك.

​أهمية هذه الوثيقة اليوم

​تكمن أهمية نشر هذه التفاصيل في توثيق حقبة "المقاومة الجبلية" بأسماء شخوصها وأماكنها الدقيقة، وهو ما يسعى "أرشيف شمال المغرب - ملفات الطاهر اللهيوي" لإبرازه للعالم وللباحثين في تاريخ المغرب الحديث.

***************

 مأساة قرية "تاگزرت" (حينما يدفع الأبرياء ثمن الفتنة)

​بعد الانقسام الذي شهده مؤتمر "رُكيبة طاكوك" والجدل حول الأمانة والقيادة، لم تتوقف الأحداث عند حد النقاش، بل تطورت إلى واحدة من أكثر اللحظات إيلاماً في تاريخ المنطقة، وهي تدمير قرية "تاگزرت" في قبيلة بني عروس.

قرار المحو من الذاكرة:

ينقل لنا المؤرخ الطاهر اللهيوي في الصفحات (369-371) تفاصيل تقشعر لها الأبدان؛ حيث صدرت الأوامر من الشريف الريسوني بتدمير هذه القرية تماماً. لم يكن الهدف مجرد العقاب، بل كان "المحو"؛ فقد أُمر بأن تُمحى "تاگزرت" من قائمة القرى، وأن تُهدم جدرانها وتُقتلع أشجارها، حتى لا يبقى لها أثر.

"أرشيف الطاهر اللهيوي

"أرشيف الطاهر اللهيوي


شهادة عينية حية:

يسجل الوالد رحمه الله شهادة تاريخية في غاية الأهمية، حيث يقول:

​"لقد حدثني والدي (جدك) أنه شاهد بأم عينه دمار هذه القرية، وكيف تساقطت جدران مساجدها وبيوتها، وكيف تحولت مزارعها المزهزة إلى خراب.. لقد كان مشهداً يدمي القلوب، حيث شُرّد أهلها في الجبال والوديان."


لماذا تاگزرت؟

يوضح الأرشيف أن القرية كانت ضحية لصراع النفوذ والاتهامات بالخيانة أو التمرد التي أعقبت مرحلة "الرُكيبة". لقد كانت تاگزرت مركزاً للشرفاء الوهابيين، وتدميرها كان بمثابة رسالة سياسية وعسكرية شديدة اللهجة في ذلك الوقت.

بين الهدم والبناء (العبرة التاريخية):

يربط المؤرخ اللهيوي في سطوره بين قسوة الأحداث وبين ضرورة تدوينها للعبرة. فالمقاومة لم تكن دائماً ضد المستعمر فحسب، بل كانت تشوبها أحياناً نزاعات داخلية أدت لضياع قرى بأكملها. وبفضل هذا التدوين، استطعنا اليوم استرجاع اسم "تاگزرت" من النسيان ووضعه في مكانه الصحيح في ذاكرة شمال المغرب.

Summary 

Title:

The "Rokibat Takok" Conference: Tribal Diplomacy and the Tragedy of Taghzirt Village

Introduction:

​A pivotal moment in the history of Northern Morocco, as documented by the historian Tahar El Lhioui. This article explores the tribal dynamics in the Jbala region and the socio-political consequences of internal conflicts during the early 20th century.

Part 1: The Rokibat Takok Conference

​The conference was held on a high plateau near the village of Tarzout. It brought together tribal chiefs, scholars, and notables to discuss the continuity of the resistance in the absence of Sharif Ahmed Raisuni. The discussions were intense, focusing on the management of "Jihad funds" and tribal logistics. The historian Tahar El Lhioui meticulously recorded the accountability session where regional leaders were questioned regarding the distribution of resources and provisions.

Part 2: The Tragedy of Taghzirt Village

​Political disputes often led to severe social consequences. El Lhioui documents the tragic destruction of Taghzirt, a village in the Beni Arous tribe. By official order, the village was to be erased from the records.

Eyewitness Testimony: The historian recounts a poignant testimony from his own father: "I witnessed the collapse of its walls and mosques; a once-thriving village was turned into ruins, and its people were displaced into the mountains."

Part 3: The Reconciliation at Moulay Abdeslam Shrine

​The cycle of conflict ended in April 1915 with a historic peace treaty at the sacred Shrine of Moulay Abdeslam ben Mashish. This reconciliation was sealed not only by a formal truce but also by a strategic marriage between the leading families, ensuring a lasting peace and the unification of the tribes.

  • ​Tahar El Lhioui
  • ​Northern Morocco History
  • ​Ahmed Raisuni
  • ​Beni Arous
  • ​Tribal Resistance
  • ​Taghzirt Village
  • ​Moroccan Archives

لدعم استمرارية مشروع أرشفة تاريخ شمال المغرب

دعم المشروع عبر PayPal

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الزعيم الأسطورة مولاي أحمد الريسوني: جولة في عقل ثائر".

المكيدة الكبرى: حين عجز الرصاص ولجأ الاستعمار إلى الغدر لإسقاط الريسوني

Episode 53: Decoding History – The Strategic Architecture of the 1921 Northern Moroccan Resistance