مراجعة نقدية لمدونات التاريخ المغربي الحديث (Interchapter I)
"مشهد من مؤتمر مدريد؛ حيث صِيغَ جزءٌ كبيرٌ من مصير المغرب في غرفٍ مغلقة، بعيداً عن أعينِ من يدّعون اليوم امتلاك الحقيقة التاريخية."
أرشيف الشمال: استعادة الذاكرة من براثن "التاريخ المتفق عليه"
في البحث التاريخي، ثمة فرق جوهري بين "المدونة الرسمية" التي تُصاغ لتسكين الضمائر وتبرير الواقع، وبين "الحقيقة الميدانية" التي تُستنطق من باطن الأرض ووثائق الأجداد. لطالما كان تاريخ شمال المغرب، وشخصية القائد مولاي أحمد الريسوني تحديداً، ميدانًا لمراوغات معرفية وتزييف منهجي، حيث اختزل "المروجون" حياة زعيم جبالة في سرديات نمطية تارة، وأكاذيب متفق عليها تارة أخرى.
إن "أرشيف الشمال" ليس مجرد منصة رقمية للأرشفة، بل هو مختبر للمساءلة التاريخية. هنا، نفتح أرشيفات طاهر الـلهيوي—المؤرخ الذي رفض أن يكون صدىً للروايات الجاهزة—لنضعها في ميزان المقارنة مع ما سطرته أقلام المستعمر وما تملق به المروجون المحليون. هدفنا ليس نبش الماضي من أجل الصراع، بل تحرير التاريخ من أغلال التسطيح، وتقديم قراءة واعية تعيد للحقائق اعتبارها، بعيداً عن صخب الرقابة وهواجس السرديات المبتذلة. هنا، نبدأ رحلة البحث عن الحقيقة كما حدثت، لا كما أرادوا لنا أن نحفظها.
الفصل الأول:
في نقد "التاريخ المتفق عليه"
إنَّ الكتابة في تاريخ شمال المغرب، وتحديداً في سير أعلامه كالقائد مولاي أحمد الريسوني، قد وقعت في فخ "الاستسهال المعرفي". لقد دأبت المدارس التاريخية المحلية، تحت وطأة سياقات سياسية واجتماعية ضاغطة، على اجتزاء الذاكرة وتحويلها إلى قوالب جاهزة تفتقر إلى النبض الميداني.
إنَّ المتأمل في مؤلفات الأعلام الذين أرخوا لهذه الفترة، من الناصري إلى عبد الله كنون، وصولاً إلى محمد بن عزوز حكيم، يجد أنها لم تقدم تاريخاً مفصلاً يغوص في تعقيدات المجال، بل قدمت "ملخصات كلام" أضحت بمرور الزمن مسلمات لا تقبل النقاش. لقد جرى تغليب الرواية الرسمية أو السردية السلطوية على حساب الوثيقة التاريخية الحية، مما أدى إلى مسخ شخصية الريسوني؛ فتم تأطيره إما ضمن إطار "الخارج عن القانون" تماشياً مع التقارير الاستعمارية، أو ضمن إطار "البطل النمطي" الذي تفرضه الرغبة في التملق أو التسييس لمصلحةِ سرديةٍ وطنيةٍ ضيقة الأفق. إننا أمام جيل من "المروجين" الذين اختاروا السلامة على حساب الحقيقة، معتبرين التاريخ وسيلة لتثبيت سردية السلطة، لا كأداة لكشف خبايا الصراع.
الفصل الثاني:
في مفارقات الرواية الأجنبية وعجز التملق المحلي
بينما سقط المروجون المحليون في فخ "التاريخ الرسمي" السطحي، نجد أنفسنا أمام مفارقة عجيبة في كتابات المستشرقين والصحفيين الأجانب الذين عاصروا الزعيم الريسوني، وعلى رأسهم والتر هاريس. إنَّ هؤلاء، رغم ما حملته نصوصهم من تحيز استعماري واضح، قد وقعوا في "زلة الحقيقة"؛ إذ وثقوا—بحكم قربهم من مراكز القرار في البلاط—تفاصيل دقيقة فضحت كواليس الصفقات والخيانات، وهي حقائق كان ينبغي أن تشكل جوهر أي تاريخ وطني صادق.
إنَّ المقارنة بين ما خطه والتر هاريس في كتابه "Morocco That Was" وبين ما أنجزه المؤرخ طاهر الـلهيوي، تكشف بوضوح الفرق بين "المشاهد المأجور" وبين "المؤرخ الباحث". فبينما كان هاريس يكتب من منظور الصحفي المستعمر الذي يرى في المغرب مادة للإثارة والتشويه، ويُسقط في كتابه تفاصيل تُدين البلاط وتكشف كواليسه—سواء كان ذلك بوعي منه أو بفعل انكشاف الحقيقة أمام قلمه—كان طاهر الـلهيوي يقرأ هذه النصوص كباحثٍ يمتلك مفاتيح المنطقة.
لقد قرأ الـلهيوي ما كتبه هاريس ليس كحقيقة مطلقة، بل كمادة خام تحتاج إلى "غربلة ميدانية". إنَّ الفارق الجوهري هنا هو أن هاريس، رغم ما قدمه من تفاصيل فضحت البلاط، ظل غريباً عن روح الجبل وقبائل جبالة، بينما نزل الـلهيوي إلى عين المكان، واستنطق الشيوخ، ووثق ما أهمله الغرباء وما أخفاه المروجون المحليون. إنَّ عمل طاهر الـلهيوي يمثل المنهجية الوحيدة القادرة على مواجهة "المرايا المشوهة" التي تركها لنا المستعمر، والتي رددها المروجون المحليون ببغائية. ففي حين كانت كتابات هاريس تنضح بالتحيز، كان بحث الـلهيوي ينضح بالاستقصاء الأكاديمي الذي لا يخشى كشف التناقضات. إنَّ الإرث الذي خلفه الـلهيوي ليس مجرد أوراق، بل هو "ميزان دقيق" يضع كذب المروجين في كفة، ويضع حقائق الميدان الموثقة في كفة أخرى، ليعلن للجميع أن التاريخ الحقيقي ليس هو ما يُملى في المكاتب، بل هو ما يُنتزع من عمق الواقع بصدق الكلمة وشجاعة الباحث.
الفصل الثالث: في ميزان الحقيقة—بين تملق المروجين وحرية الباحث
إنَّ استحضارنا لهذه المراجع ليس من باب التوثيق التقليدي، بل هو محاولة لفرز "الحقائق" من "الأوهام". فبينما يصرُّ المروجون المحليون على تقديم قراءات تتماشى مع "الاستقرار المفتعل" وتجنب الصدام مع البلاط، نجد أن الكتابات الأجنبية—رغم انطلاقها من أجندات استعمارية—قدمت مادة دسمة لا يمكن للباحث الحر تجاهلها.
لقد اعتمد المروجون المحليون على صمتٍ انتقائي، بينما كشفت مذكرات الغرب عن تفاصيل ما كانت لترتضيها السلطة لو علمت أنها ستُقرأ يوماً بمجهر باحث كطاهر الـلهيوي. إنَّ الفارق الجوهري هو أن هؤلاء الباحثين الغربيين كتبوا بحرية—وإن كانت مشوبة بالتعالي—عن أحداثٍ حاول المحليون تغييبها أو تزييفها.
فيما يلي قائمة المراجع والمصادر التي شكلت—بإرادتها أو بـ "زلة قلمها"—مادة للنقد التاريخي:
- Walter Harris, Morocco That Was (1921):
- يظل هذا العمل الوثيقة الأهم التي فضحت—دون قصد—آليات فساد البلاط وسياسته في منطقة جبالة. لقد استلهم هاريس من تواجده المباشر مادة خاماً استطاع طاهر الـلحيوي توظيفها لفضح التناقض بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني.
- عزوز حكيم، أحمد الريسوني: قرصان أم بطل؟:
- نموذج للمحاولة "التوفيقية" التي حاولت مسك العصا من الوسط، وهي كتابة تعاني من قصور في العمق الميداني، وتكتفي بتقديم سردية لا تخرج عن حدود المقبول رسمياً.
- عبد الله كنون، ذكريات مشاهير رجال المغرب:
- رغم قيمته الأدبية، إلا أن تلوينه التاريخي اتسم بالتحيز لـ "السير الرسمية"، حيث غُيبت فيها تفاصيل الصراع القبلي المعقد لصالح صورة نمطية مهادنة.
- أرشيفات طاهر الـلهيوي (المخطوطات الميدانية): هي المرجع الوحيد الذي يجمع شتات هذه الروايات؛ فهي لا تقرأ "Morocco That Was" كمرجع تاريخي فحسب، بل كخريطة طريق لكشف الحقائق التي سكت عنها الناصري وأضرابه.
إنَّ هذا النص يُعد دعوة صريحة لكل باحث، سواء كان يكتب في المغرب بـ "تقية" أو في المهجر "بحرية"، بأن يعيد النظر في هذه العناوين. إنَّ التاريخ لا يُكتب بالانحياز للسلطة، ولا بالاستنساخ من أوراق المستعمر، بل بالقدرة على الجمع بين المتناقضات واستخراج الحقيقة من بين طياتها. إننا بصدد مرحلة جديدة في "أرشيف الشمال"؛ حيث لا قدسية لأي عنوان، ولا محظورات أمام الحقيقة الميدانية الموثقة.
أحمد الريسوني ،,أرشيف الشمال ،تحقيق تاريخي،الزعيم أحمد الريسوني،،طاهر الـلهيوي,
لقراءة المزيد إضغط على الرابط
بقلم: الباحث جعفر اللهيوي
المشرف على منصة "أرشيف شمال المغرب" للتوثيق والبحث التاريخي.
المشرف على منصة "أرشيف شمال المغرب" للتوثيق والبحث التاريخي.

تعليقات
إرسال تعليق
We value your valuable feedback on these archive documents. Feel free to leave a comment—signing in with Google is optional if you'd like your name attached to your contribution