المكيدة الكبرى: حين عجز الرصاص ولجأ الاستعمار إلى الغدر لإسقاط الريسوني



 

بقلم: ملفات اللهيوي (جعفر اللهيوي)

​(مشهد سينمائي يجسد جحيم بني عروس وصيد الطائرات فوق جبل العلم - ملفات اللهيوي)

​ليس كل ما يلمع ذهباً، وليس كل "سلم" يحمل الأمان.. هذه هي الحقيقة التي تكشفها لنا ملفات والدي المؤرخ الطاهر اللهيوي رحمه الله.

​بعد سنوات من الصمود والجهاد، وبعد أن أدرك الاستعمار عجز قواته عن مقارعة جيش الزعيم أحمد الريسوني في الميدان، ولجأ لأقذر الأسلحة: الخديعة والغدر.

هول الطائرات: جحيم بني عروس وبطولة الجدة

​ولكن، قبل الحديث عن الخيانة، دعونا نتحدث عن الألم الحقيقي. الألم الذي لم يبارح والدي الصبي أبداً. حين كانت بني عروس كلها فصلاً من حياة عائلتي. فبينما كان جدي (والد الوالد) رجلاً ثائراً، وسلم نفسه للريسوني لزعامته ليقضي تسعة أشهر مكبلاً، كانت السماء تمطر موتاً.

​يحكي والدي، المؤرخ الطاهر اللهيوي، بألم لا يبارحه، عن هول الطائرات الإسبانية البدائية التي كانت لا تهدأ ليل نهار فوق قرى بني عروس. حينها، لم يكن أمام جدتي رحمها الله، وهي تأوي أطفالها الستة (ومنهم الوالد الصبي)، إلا الهروب نحو المجهول.

الاختباء تحت الأحجار وصيد الطائرات فوق جبل العلم

​كانت تهرع بهم، في مشهد مرعب يتقطر خوفاً، لتخبئهم تحت الحجارة الكبيرة (التي ترونها في الصورة السينمائية)، في خندق طبيعي يحميهم من شظايا القنابل. كانت تنحني فوقهم بجسدها الهزيل، بينما تتساقط المتفجرات وتتطاير الأتربة، وتتوالى الانفجارات التي ترج الأرض.

​لم يكن السمع يهدأ لحظةً من دوي البنادق التي لا تتوقف من جانب المقاومة، وصرخات الفزع من الجانب الآخر. لم يكن جنود الريسوني القناصة ليفروا؛ بل كانوا يقصفون تلك الطائرات من فوق مرتفعات جبل العلم الشامخ. كانوا يتربصون بها، ويقنصونها في مروحتها، فتتطاير قطعها وتسقط في مشهد يشفى صدور الجاهزين الذين لا يعرفون الخوف.

​هكذا عاش أرشيف اللهيوي فصولاً من الصمود وسط الجحيم، فصولاً سطرها الوالد الصبي بعينيه الصغيرتين، وكتبتها الجدة بدموعها، لتكون اليوم شهادة حية على عظمة شعبٍ قاوم الغدر بالصمود.

 

جحيم تحت الصخور وعزة فوق القمم"

​"لم تكن مجرد حرب، بل كانت زلزالاً يضرب السكون في كل لحظة. يحكي لي والدي، الطاهر اللهيوي، كيف كان صوت محركات الطائرات الإسبانية البدائية يمزق سماء بني عروس، صوتاً يبعث الرعب في الحجر قبل البشر.

​في تلك اللحظات، كان العالم يضيق حتى لا يبقى منه إلا ثقل الحجارة فوق الرؤوس. جدتي رحمها الله، بتلك الروح التي لا تكسر، كانت تلم أطفالها كأنها تجمع أرواحها بين يديها، تهرع بهم إلى شقوق الجبل، تدفعهم تحت الصخور الصماء، وتنحني بجسدها فوقهم ليكون درعهم الأخير. كانت تهمس لهم بكلمات الطمأنينة وسط دوي القنابل التي كانت تهز الأرض هزةً تجعل الطفل الصغير يظن أن الجبل سيهوي فوقهم.

​أما في الأعالي، فوق جبل العلم الأشم، فلم يكن الصمت يعرف طريقاً. كانت البنادق تنطق بلغة النار، دوي لا يهدأ، ورماة لا يرف لهم جفن. يحكي الوالد عن مشهد سقوط الطائرات؛ كيف كان الرصاص الموجه بدقة "القناصة الجاهزين" يمزق مراوح تلك الآلات المعدنية، فتتهاوى محترقة كأنها شهب غاضبة تسقط في الوديان، لتعلن أن الأرض لها أصحاب يحمونها بالدم.

​كان الرعب يملأ الجو، لكن العزة كانت تملأ الصدور. تلك القنابل التي لم ينفجر بعضها وبقيت مطمورة في تراب قريتنا إلى اليوم، هي شاهدة صامتة على يومٍ وقفت فيه جدتي بوجه الموت، ووقف فيه رجالات الريسوني بوجه الإمبراطورية، وسجل والدي الصبي كل ذلك بدموع عينه ليبقى لنا تاريخاً لا ينسى

وهكذا، لم تكن 'المكيدة الكبرى' مجرد مناورة عسكرية عابرة، بل كانت بداية لتحول جذري في أسلوب المواجهة؛ حيث أدرك الخصوم أن كسر شوكة الشريف الريسوني لا يمر عبر فوهات البنادق فحسب، بل عبر نسج خيوط المؤامرات السياسية وعزل الزينات عن محيطها القبلي. فكيف واجه الزعيم هذا الحصار؟ وهل كانت المكيدة كافية لإنهاء طموحاته، أم أنها كانت الوقود الذي أشعل نار المقاومة من جديد؟

.

.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الزعيم الأسطورة مولاي أحمد الريسوني: جولة في عقل ثائر".

Episode 53: Decoding History – The Strategic Architecture of the 1921 Northern Moroccan Resistance