الزعيم الأسطورة مولاي أحمد الريسوني: جولة في عقل ثائر".
الزعيم الأسطورة مولاي أحمد الريسوني: ثورة "الخلاء" في مواجهة "أرستقراطية" القصور
لم يكن العقل المغربي إبان زمن "السيبة" منحازاً لتيارات أو قوى قادرة على قيادة البلاد إلى بر الأمان أو الانضباط الأمني، بل سقطت البلاد في مستنقع من الجريمة المنظمة، والسلب، والنهب، بتفويضٍ ضمني من "مخزن" كان غارقاً في تحديث مدينة طنجة وحماية أصحاب النفوذ القادمين من أقطار أوروبا والعالم.
بينما كان هؤلاء يختبئون داخل محافلها وقصورها المشيدة فوق المرتفعات، يعيشون حفلاتهم الأرستقراطية على نغمات "بتهوفن" و"فيفالدي"، متباهين بلوحات "رامبرانت" و"كاندينسكي" وبأموالهم التي تشتري لهم المقاعد الأولى في المسارح والحدائق المطلة على البحر (والتي لا تزال بعضها تحمل أسماءهم حتى يومنا هذا)؛ لم تكن طنجة وشمال المغرب ليتحملا هذا الوضع طويلاً.
استشعر أصحاب العقول الراجحة والرأي الصائب اندحار ثقافتهم، وأدركوا أن مصيرهم سيكون إما العبودية داخل تلك القصور أو القتل بسبب الرأي. وفي تلك اللحظة الفارقة، خرج رجل من رحم التاريخ كأنه يحمل رسالة خلاص؛ فاستهزأ به القوم في البداية، وهو رد فعل بديهي تجاه كل مَن ينشد التغيير.
وبسبب ثقته الزائدة في بعض قواد المخزن، كادت حياته أن تنتهي لولا أن أُودع السجن، لتبدأ من هناك حياة أخرى غيرت مجرى تاريخ المنطقة بأكملها. تلك الشخصية هي الزعيم أحمد الريسوني، سليل الولي سيدي موسى الحاج، وشقيق الولي مولاي عبد السلام بن مشيش (عليهما السلام).
من هنا بدأت شرارة الثورة، وانعدمت ثقته في الآخرين لتتحول إلى "فوبيا" لازمت مسيرته. هكذا انطلقت حرب العصابات التي شنها دون توقف، حتى دخلت القوات المتحالفة إبان "الحماية" لتتجرع من نفس الكأس التي ذاق منها المخزن.. فأمسى الريسوني سيد المنطقة وقائدها الأوحد، وبدأ زمن التفاوض.. ولا تفاوض يُذكر حين يدوي الرصاص، فلا صوت يعلو فوق صوت البنادق
ولكن، كيف تحول 'أسير السجون' إلى 'سيد الجبال' الذي ترتعد منه فرائص القناصل والجنرالات؟ وما هي الحكاية وراء أول رصاصة أطلقها ليعلن تمرده على نظام القصور وبداية عهد 'الريسوني' الذي حيّر القوى الدولية؟
في الجزء القادم.. سنغوص في كواليس المواجهة الأولى، ونكشف سر 'الفوبيا' التي صنعت من أحمد الريسوني أسطورة لا تُقهر
خلف ملامح الهيبة والوقار، وفي ثنايا الشخصية القيادية للشريف أحمد الريسوني، يكمن سر 'الفوبيا' التي لم تكن مجرد خوفٍ عابر، بل كانت المحرك الخفي لصناعة أسطورة 'الرجل الذي لا يُقهر'. إنها فوبيا 'الانكسار أمام الخصم' أو السقوط في فخ الغدر الذي طالما طارد زعماء القبائل في تلك الحقبة.
(هذه الفوبيا تحولت لدى الريسوني إلى 'حاسة سادسة' ويقظة مفرطة؛ جعلته يقرأ المؤامرات قبل حياكتها، ويتحصن في قلاعه الجبلية بذكاءٍ استراتيجي أربك حسابات القوى العظمى. لم تكن خوفاً من الموت، بل كانت أنفةً من الهزيمة، وهي ذاتها التي صنعت منه رمزاً عصياً على الترويض، وجعلت اسمه يتردد في أروقة واشنطن ولندن كأخطر رجل في الشمال)

تعليقات
إرسال تعليق
We value your valuable feedback on these archive documents. Feel free to leave a comment—signing in with Google is optional if you'd like your name attached to your contribution