تضحيات السيد الخالد الريسوني باشا العرائش إبان الحقبة السوداء بشمال المغرب
المؤرخ الطاهر اللهيوي.. شاهد على زمن المقاومة وحارس لذاكرة الشمال
إن القيمة الحقيقية للمؤرخ الطاهر اللهيوي لا تكمن فقط في كونه باحثاً في التاريخ والأنساب، بل في كونه عاش جانباً مهماً من الأحداث التي شكلت ذاكرة شمال المغرب خلال سنوات الحماية وما بعدها. فقد كان شاهداً على مرحلة مضطربة من تاريخ البلاد، عايش فيها المقاومة، والسجن، والتحولات السياسية التي أعقبت الاستقلال.وقد حفظت رواياته وكتاباته تفاصيل ثمينة عن رجال المقاومة وأحداث المنطقة، كما وثقت جوانب من سيرة الباشا الخالد الريسوني وعائلته، وما تعرضت له من تضييق وصراعات سياسية خلال السنوات الأولى للاستقلال. ومن خلال شهاداته، تتجلى صورة العرائش والشمال المغربي باعتبارهما فضاءً احتضن العديد من الوطنيين الذين وجدوا فيهما ملاذاً آمناً خلال فترات المحنة.
كما تناولت كتاباته ما تعرضت له الذاكرة التاريخية للمنطقة من ضياع وإتلاف، ومن ذلك حرق مكتبة الباشا الخالد الريسوني وما ضمته من وثائق ومراسلات ومخطوطات ذات قيمة تاريخية كبيرة. ولهذا اكتسبت مؤلفات اللهيوي أهمية خاصة، لأنها أسهمت في حفظ جزء من الذاكرة التي كادت تضيع إلى الأبد.
ولم يكن الطاهر اللهيوي مجرد مؤرخ أو ناسبة، بل كان رجلاً ارتبط بقضايا وطنه ومجتمعه، وأسهم في خدمة الحركة الوطنية خلال سنوات المقاومة، قبل أن يتفرغ للبحث والتأليف والتدريس ونشر المعرفة. وقد انعكست هذه التجارب في مؤلفاته التي جمعت بين التوثيق التاريخي والدفاع عن الهوية المغربية الأصيلة وتراث جبالة الروحي والثقافي.
إن رحلته العلمية التي بدأت من أفرنو السفلى، مروراً بالحسيمة، ثم المعهد الديني، وصولاً إلى سنوات طويلة من البحث والتأليف، تجعل منه نموذجاً للعالم المناضل الذي جمع بين العلم والعمل، وبين الوفاء للمبادئ وخدمة الحقيقة التاريخية. فقد اختار حياة التواضع والعزلة العلمية بعيداً عن الأضواء، مفضلاً الإخلاص للمعرفة على البحث عن الشهرة أو المناصب.
واليوم، ما تزال مخطوطاته وشهاداته تمثل رصيداً مهماً للباحثين والمهتمين بتاريخ شمال المغرب. وإن استحضار سيرته ليس مجرد وفاء لرجل من جيل الرواد، بل هو أيضاً حفاظ على جزء من الذاكرة الوطنية التي ساهم في صونها وتوثيقها.
لقد رحل الطاهر اللهيوي، لكن أثره العلمي والتاريخي باقٍ، شاهداً على حياة كرّسها للعلم والتوثيق وخدمة التراث المغربي، لتظل أعماله جسراً يربط الأجيال الجديدة بتاريخها وهويتها وذاكرتها الجماعية.
في الختام
، تبقى الأيام كفيلة بكشف معادن الرجال ومواقفهم الحقيقية. فكم من أصدقاء تقاسموا دروب المحنة والتضحية، ثم ما إن عاد بعضهم إلى أعشاش الأمان حتى تناسوا الأيادي التي امتدت إليهم في أوقات الشدة، وغابت عن ذاكرتهم المواقف النبيلة التي صنعت لهم طريق النجاة. غير أن الوفاء لا يُقاس بما يناله الإنسان من مكاسب، بل بما يحفظه من عهد وما يصونه من جميل. وستظل التضحيات الصادقة محفورة في ذاكرة المنصفين، مهما حاول البعض تجاهلها أو القفز عليها، لأن التاريخ لا يخلّد إلا أصحاب المواقف النبيلة، أما النسيان والجحود فمصيرهما الزوال مع مرور الزمن
https://northern-morocco-archive.blogspot.com/2026/03/blog-post.html
بقلم: الباحث جعفر اللهيوي
المشرف على منصة "أرشيف شمال المغرب" للتوثيق والبحث التاريخي.
المشرف على منصة "أرشيف شمال المغرب" للتوثيق والبحث التاريخي.


تعليقات
إرسال تعليق
We value your valuable feedback on these archive documents. Feel free to leave a comment—signing in with Google is optional if you'd like your name attached to your contribution