تطوان: مرثية الأناقة وتاريخ آل اللهيوي في أرشيف شمال المغرب
تطوان: مرثية الأناقة في زمن "الواد الحار"
من قلب الشمال الجريح، ومن ذاكرة "الحمامة البيضاء" التي لم يعد بياضها إلا اسماً في حكايات العجائز، ننطلق في رحلة "قطار الكلمات" التي تجوب أزقة تطوان القديمة، لترصد كيف تحولت تلك الجنة الأندلسية إلى "مرتع للعوام" وضحية لسياسات التهميش والتغريب. تبدأ الحكاية بمرارة تاريخية، حيث تُروى مأساة تسليم السلطة في عهد "الجنرال فرانكو" وما نُسب إليه من نبوءة "الواد الحار" الذي سينفجر في وجوهنا، وهو ليس مجرد وادٍ من مياه آسنة، بل هو انفجار للرداءة، وغزو للغوغاء الذين قُدم لهم الشمال على طبق من ذهب تحت غطاء سياسي دمر "الأنفة" الشمالية.
لقد خانت النخب عهد الأمة، ورضي الزعماء بـ "مقاعد" سياسية قنعوا بها، ففتحوا الأبواب أمام زحف "العروبية الأزيال" القادمين من أدغال الداخل، الذين هجموا بجيوشهم "النظامية" من المتسولين والشمكارة، ليزرعوا دور الصفيح في أحضان الجمال الموريسكي، ويحولوا شواطئنا التي كانت جنة للهدوء والوقار إلى ساحات للجريمة والوسخ والقمامة. هؤلاء الذين يطهون طعامهم فوق الأرصفة، ويفترشون الحدائق في فوضى عارمة، ليسوا إلا "تتاراً جدداً" أُطلقوا باسم "الطابور الخامس" لتدمير كل ما هو جميل وأصيل في هذه الأرض.
أين هي تلك الوجوه الموريسكية الشقراء ذات العيون الزرقاء؟ أين تلك الرقة التي كانت تزخر بها المدينة القديمة؟ لقد وقع لهم ما وقع لـ "الهنود الحمر"؛ انقرضوا وتلاشوا في صمت، بينما البيوت التاريخية التي كانت تستقبل نخبة "الجنس التطواني" على نغمات شقارة وباجدوب، تتساقط اليوم داراً وراء دار، لتخلف تحت أنقاضها ذكريات "الأبهة والكرامة" التي لا يعرفها هؤلاء القادمون من خلف "الواد الحار". المدينة أصبحت وكراً للدعارة الأسرية التي كانت غريبة عنا، وتفشت فيها الفوضى تحت حراسة "عتاد المخزن" الذي لا يهمه إلا ما يُستخرج من بطن الوطن.
أما المسؤولون، فهم يعيشون في فيلات "ماربيا" و"نيس" و"باريس"، ينظرون إلينا كأرقام انتخابية تُشحن في الشاحنات لتكريس حكم "القطيع". لقد أرادوا مغرباً يشبه زيفهم، فصنعوا مجتمعاً هجيناً لاهو بالأصلي ولا بالمحلي، مجتمعاً يقتل الجمال في كل خطوة. ونحن هنا، "ننفخ في الرماد"، نوثق الأرشيف ونكتب التاريخ لعلنا نمسك بظلال مدينة لم يبق منها إلا الأطلال، في زمن أصبح فيه "الأدب العام" غريباً، وأصبحت فيه "تطوان" تئن تحت وطأة الوجع والفساد، بينما "القطيع" يسير وراء الناي لا يفرق بين الحرية والخراب. إنه "قطار الوجع" الذي لا يتوقف، يجر وراءه خيبات أمة ضاعت "أنافتها" في غبار الفوضى المفروضة.
خاتمة: بين "أنفة" اللهيوي ورماد الحاضر
في الختام، ليست تطوان التي نرثيها مجرد جدرانٍ تتداعى أو أزقةٍ ضاقت بأهلها، بل هي تلك "الروح" التي كانت تسكن مجالس الأكابر من أمثال الجد أبو العباس أحمد اللهيوي. ذلك الركن المتين الذي لم يكن مجرد رفيقٍ للسلطان في تدبير شؤون الرعية، بل كان تجسيداً لزمنٍ كانت فيه "تطوان" مدرسةً في الوقار، ومنارةً في السياسة والأدب، قبل أن تبتلعها أمواج العشوائية وتغرقها في وحل "الواد الحار".
إننا اليوم، ونحن ننبش في أرشيف العائلة وذاكرة المدينة، لا نتباكى على أطلال، بل نتمسك بآخر خيوط "الأنافة" الموريسكية التي مثّلها آل اللهيوي بصدق؛ تلك الأنفة التي تأبى الانحناء أمام غزو الرداءة أو الذوبان في فوضى "القطيع". فإذا كانت الحمامة البيضاء تئن اليوم تحت وطأة التهميش، فإن عبق تاريخ أجدادنا يظل هو المسك الذي يطرد رائحة الخراب، ويذكرنا بأن الأصل لا يزول مهما تكالبت عليه الظروف.
ستبقى تطوان "أبو العباس" حيةً في صدور الأحفاد، وصيةً من زمن العزة والكرامة، شاهداً على أن المدينة التي احتضنت النخب والفرسان، لا يمكن لغبار "العروبية" أو فساد السياسة أن يمحو هويتها الضاربة في عمق المجد.. ويبقى العزاء الوحيد أننا ما زلنا نعرف من نحن، ومن أين جئنا، في زمنٍ ضاعت فيه الأنساب واختلطت فيه المعادن.
ولا يكتمل رثاء هذه الحاضرة إلا باستحضار تلك السكينة التي كانت تغشى الروح في زاوية ابن ريسون بالمدينة القديمة؛ هناك حيث كانت تلتقي هيبة التاريخ بنور الذكر، وحيث كان للأجداد من "آل اللهيوي" حضورٌ يملؤه الوقار، وصلاتٌ لا تنقطع بآل البيت ومجالس العلم والصلاح. فمن طهر تلك الزاوية استمدوا ثباتهم، ومن بركة أوليائها صاغوا قيم "الأنفة" والترفع عن الصغائر.
وكما كانت الروح تطمئن في أزقة المدينة العتيقة، كان القلب يجد مستقره في الزاوية القادرية بالفدان العريق، ذلك الفدان الذي كان نبض تطوان وأيقونة جمالها قبل أن تمتد إليه يد التشويه. هناك، بين جدران الزاوية القادرية، نُسجت روابط التقوى والاجتماع، وتكرست قيم النبل التي ميزت "الجنس التطواني" الأصيل. إن ضياع تلك الملامح، وتحول تلك الفضاءات الروحية إلى جزر معزولة وسط بحر من الفوضى، هو المصاب الجلل الذي يجعلنا نتمسك بأرشيفنا كآخر الحصون؛ صوناً لذكرى أجدادٍ عاشوا بين "السلطان" و"الزاوية"، وبنوا مجداً لا يدركه من لم يتنسم عبق بخور القادرية أو يرتوِ من صفاء مورد ابن ريسون.
ولا يكتمل رثاء هذه الحاضرة إلا باستحضار تلك السكينة التي كانت تغشى الروح في زاوية ابن ريسون بالمدينة القديمة؛ هناك حيث كانت تلتقي هيبة التاريخ بنور الذكر، وحيث كان للأجداد من آل اللهيوي حضورٌ يملؤه الوقار، وصلاتٌ لا تنقطع بمجالس العلم والصلاح. فمن طهر تلك الزاوية استمدوا ثباتهم، ومن بركة أوليائها صاغوا قيم 'الأنفة' والترفع عن الصغائر.
وكما كانت الروح تطمئن في أزقة المدينة العتيقة، كان القلب يجد مستقره في الزاوية القادرية بالفدان العريق، ذلك الفدان الذي كان نبض تطوان وأيقونة جمالها قبل أن تمتد إليه يد التشويه. هناك، نُسجت روابط التقوى والاجتماع، وتكرست قيم النبل التي ميزت 'الجنس التطواني' الأصيل. إننا نتمسك اليوم بهذا الأرشيف كآخر الحصون؛ صوناً لذكرى أجدادٍ عاشوا بين 'السلطان' و'الزاوية'، وبنوا مجداً لا يدركه إلا من تنسم عبق تاريخهم الأصيل."
Tetuán: Elegía de la Elegancia en la Era del "Alcantarillado"
Desde el corazón herido del Norte, y desde la memoria de la "Paloma Blanca" —cuyo blanco ya no es más que un nombre en los cuentos de las ancianas—, emprendemos este viaje en el "tren de las palabras". Recorremos los callejones de la antigua Tetuán para observar cómo aquella joya andalusí se ha transformado en un "refugio del vulgo" y víctima de políticas de marginación y alienación.
La historia comienza con una amargura histórica: la transición del poder en la era del General Franco y la profecía que se le atribuye sobre el "alcantarillado" (el Wad al-Har) que estallaría en nuestros rostros. No se trata solo de aguas residuales, sino de una explosión de mediocridad; una invasión de la chusma a la que se le entregó el Norte en bandeja de plata bajo un manto político que destruyó el "orgullo" septentrional.
Las élites traicionaron el pacto con la nación, conformándose con "escaños" políticos, abriendo las puertas al avance de los desposeídos del interior. Estos ejércitos de mendigos y marginados plantaron chabolas en el regazo de la belleza morisca, convirtiendo nuestras playas —oasis de paz y dignidad— en escenarios de crimen, suciedad y basura.
¿Dónde están esos rostros moriscos, rubios de ojos azules? ¿Dónde está aquella delicadeza que desbordaba la Medina Antigua? Les ha ocurrido lo mismo que a los "indios americanos": se extinguieron y se desvanecieron en silencio. Mientras tanto, las casas históricas que acogían a la élite de la "estirpe tetuaní" al son de Chekara y Bajdoub, se derrumban hoy una tras otra, dejando bajo sus escombros los recuerdos de una "pompa y dignidad" que estos recién llegados desconocen.
Conclusión: Entre el orgullo de los Lhioui y las cenizas del presente
No se puede completar el duelo por esta ciudad sin invocar la serenidad que envolvía el alma en la Zauia de Ibn Raisun, en la Medina Antigua. Allí, donde la grandeza de la historia se encontraba con la luz del dhikr, y donde los ancestros de la familia El Lhioui —especialmente el gran Abu Al-Abbas Ahmad El Lhioui, compañero y consejero del Sultán— mantenían una presencia llena de dignidad.
Del mismo modo, el corazón encontraba su refugio en la Zauia Qadiriyya del histórico Feddan; aquel lugar que fue el latido de Tetuán antes de que la mano de la distorsión lo alcanzara. La pérdida de estos rasgos espirituales es la gran tragedia que nos impulsa a aferrarnos a nuestro archivo como último refugio, para preservar la memoria de unos antepasados que vivieron entre "el Sultán y la Zauia", construyendo una gloria que solo quienes han respirado el aroma de la historia auténtica pueden comprender.




تعليقات
إرسال تعليق
We value your valuable feedback on these archive documents. Feel free to leave a comment—signing in with Google is optional if you'd like your name attached to your contribution