الزعيم أحمد الريسوني ومأساة الشمال: قراءة تفكيكية في كواليس المقاومة وهندسة المخزن الحديث
مقدمة: الأرض الخلاّء والتحول المفصلي
لطالما كُتب تاريخ شمال المغرب المعاصر بأقلام اختزلت الأحداث في ثنائيات مبسطة (أبيض وأسود)، مغيبةً العمق الإستراتيجي والسيكولوجي لشخصيات طبعت المنطقة بنفوذها الروحي والسياسي. إن اللحظة التي التقى فيها محمد بن عبد الكريم الخطابي بالملك محمد الخامس في القاهرة أواخر الخمسينيات، لم تكن مجرد حدث بروتوكولي، بل كانت إعلاناً رمزياً عن إسدال الستار على زمن "المقاومات الإقليمية المستقلة" والمشاريع البديلة، وبداية مرحلة "خَلَت فيها الأرض وتَحوّلت" ليبرز مفهوم الدولة المركزية الحديثة تحت شعار "المغرب لنا لا لغيرنا".
لكن، لإدراك كيف صُنعت هذه الهندسة، وجب العودة إلى الخلف لفك الخيط الأسود الذي يربط بين حكمة تازروت الأبية، واندفاع جبهة الريف، وسيكولوجية الرعب التاريخية للمخزن التي بلغت أوجها مع العصرنة "الليوطية".
حرب الرزانة ضد حرب الإبادة: إستراتيجية الزعيم أحمد الريسوني
لا يمكن قراءة مسار الزعيم الشريف مولاي أحمد الريسوني بمعزل عن محيطه الجغرافي والقبلي في جبالة. لقد كان الرجل يمثل مدرسة "حرب الرزانة" والمناورة السياسية المستندة إلى واقعية موازين القوى:- حماية النسيج البشري: لم يكن الريسوني يؤمن بالاندفاع العسكري الانتحاري الذي يطحن الأخضر واليابس أمام آلة استعمارية تفوقه تقنياً. كانت مهادناته السياسية المؤقتة مع الإسبان تكتيكاً ذكياً لالتقاط الأنفاس، وإعادة التموقع، وتأمين أرواح قبائله.
- الطموح السياسي والديني: لم يتحرك الريسوني كقائد محلي عابر، بل كان صاحب مشروع سياسي يطمح لإعادة صياغة التوازنات الكبرى في البلاد، مستنداً إلى حصانته الطبيعية في تازروت وعمقه الروحي الشريف. لقد كان شوكة في حلق الطامعين، يدمج بين السيف والدبلوماسية بحنكة رجال الدولة.
جدلية النفي والاستسلام: هل تُرِك الريف يعاني؟
في المقابل، فتحت نشوة معركة أنوال الباب أمام مشروع حركة الريف بزعامة الخطابي، والذي اتجه نحو صك العملة وتأسيس بنية مغايرة. لكن هذا الاندفاع عجل بنتيجة كارثية:- استعداء القوى الدولية: أدى هذا التوجه إلى تحالف فوري ثلاثي بين إسبانيا، فرنسا، وبتنسيق مع مصالح المخزن، لنسف هذه الحركة قبل أن تتمدد.
- محرقة السلاح الكيماوي: أُدخل شعب الريف في أتون حرب إبادة شاملة بالغازات السامة.
- مأساة الاستسلام والمنفى: في اللحظة الحامسة، اختار الخطابي الاستسلام ونُفي إلى جزيرة "ريونيون" ثم استقر بمصر، تاركاً الريف يئن لعقود تحت مخلفات الخراب والتهميش، وهو ما يطرح علامة استفهام مريرة حول الفارق بين ثبات القائد في أرضه وبين "بطل الفرار" الذي ترك شعبه يواجه المصير المجهول.
مكيدة السم وتشتيت الخلية: كيف انطفأت ملكة النحل؟
لأن الزعيم أحمد الريسوني كان رقماً صعباً يستحيل ترويضه أو نفيه مع بقاء تأثيره، كان لا بد للمؤامرة الداخلية والخارجية أن تتحرك في الخفاء. لم ينل منه الخصوم في ساحات المعارك في تازروت، فدبروا له مكيدة السم:
"جرى رشي الأَمة الزلالية لدس السم في طعام الزعيم. وبحسه السياسي الخبير ورصانته، شعر بالخيانة في اللقيمات، ففرض عليها الأكل معه لتموت هي الأولى، بينما بدأ جسده الأبي ينطفئ شيئاً فشيئاً. بموت الزعيم، ماتت ملكة النحل وتشتتت الخلية، وخلا الجو تماماً لإتمام المسرحية الكبرى."
من بن بركة إلى الريسوني: كواليس تصفية المشاريع العابرة للقارات
إن الزعيم الحقيقي لا يقطع حبله السري مع الأرض؛ وهنا تبرز المقارنة العبقرية مع الشهيد المهدي بن بركة. فرغم الحكم عليه بالإعدام غيابياً من طرف نظام الحسن الثاني واضطراره للمنفى، لم يتوقف بن بركة عن إدارة مشروعه الثوري العابر للقارات (حركة القارات الثلاث).
كان خطراً حقيقياً ومؤرقاً لخصومه وهو في الخارج؛ ولأن "النفي" لم ينجح في تطويقه، تماماً كما أن المواجهة لم تنجح مع الريسوني، كان الحل الوحيد للمنظومة هو التصفية الجسدية البشعة (الاختطاف والتذويب في حمض الكبريت لبن بركة، ومكيدة السم للريسوني). القادة الوجوديون يموتون واقفين في خنادقهم أو يُغتالون، ولا يلوذون بالصمت بعيداً عن الجماهير.
سجن قارا وبيريو ليوطي: هندسة سيكولوجية الرعب المخزنية
إن جذور الإقصاء والقمع في بنية الحكم تاريخياً تعود إلى هندسة نفسية دقيقة، يتجلى أقصى صورها في سجن قارا بمكناس الذي بناه المولى إسماعيل:- المتاهة كأداة للتخويف: سجن تحت الأرض بلا أبواب أو قضبان، حيث تتكفل المتاهة الهندسية بإدخال السجين في حالة ضياع ورعب أبدي مستدام، وهي ذاتها الفلسفة التي أديرت بها الرعية تاريخياً: "الحكم بالخوف لا بالعدل المؤسساتي".
- العصرنة الليوطية: عندما حل المقيم العام الفرنسي المارشال ليوطي، لم يهدّم هذه البنية المخزنية القائمة على الهيبة والتخويف، بل عصرنها. ألبس نظام ليوطي آليات الضبط التقليدية لباس القانون الإداري، والجيش الحديث، والاستخبارات، ليصنع خريطة "المخزن الحديث".
خاتمة: الحزب الواحد والهاوية الرقمية
بموت الزعيم الريسوني مسموماً في أرضه، وإزاحة الخطابي إلى المنفى، أُفرغ شمال المغرب من نخبته التاريخية الرزينة. استلمت نخب "الحزب الواحد" (حزب الاستقلال) المشهد صانعةً مقولة "المغرب لنا لا لغيرنا"، لتتأسس دولة المركزية المطلقة التي بنيت على حواف الإقصاء، والبعيدة كل البعد عن قيم العدالة والمشاركة الشعبية، وهي البنية التي لا نزال نعيش ارتداداتها حتى اليوم حيث تقف البلاد على حافة الهاوية.
بقلم: الباحث جعفر اللهيوي
المشرف على منصة "أرشيف شمال المغرب" للتوثيق والبحث التاريخي.
المشرف على منصة "أرشيف شمال المغرب" للتوثيق والبحث التاريخي.

تعليقات
إرسال تعليق
We value your valuable feedback on these archive documents. Feel free to leave a comment—signing in with Google is optional if you'd like your name attached to your contribution