كتاب حصن السلام: سيرة القطب مولاي عبد السلام بن مشيش ومناقبه الشاذلية

​خريطة توضيحية ولوحة فنية لمسالك التنقل الروحية وضريح القطب مولاي عبد السلام بن مشيش في جبل العلم وحصن بني عروس بشمال المغرب.


تصدير وتحقيق: الباحث جعفر اللّهيوي

المصدر: كتاب "حصن السلام في فضل أولاد مولاي عبد السلام" (ص 409 - 418)
​المبحث الأول: المناقب الستة المتعلقة بالشيخ مولاي عبد السلام
​هنا مناقب ستة تتعلق بالشيخ رحمه الله، تبرز مقامه في التربية والسلوك والمكاشفة المعنوية:
​أن الشيخ رحمه الله كان من أرباب القلوب والأحوال، وكانت تحصل له غيبة كانت تقطعه عن حسه. وذكر الإمام الغزالي أن أرباب القلوب قد يشاهدون في يقظتهم الملائكة، وأرواح الأنبياء، ويسمعون منهم أصواتاً، ويقتبسون منهم فوائد، ثم يرتقي الحال من مشاهدة الصور والأمثال إلى درجات يضيق نطاق الفكر عنها، قيل وتواترت الأقوال عن الأولياء، وصح عن الشيخ مولانا أبي الحسن الشاذلي أنه قال:
​"لو حُجب عني النبي صلى الله عليه وسلم طرفة عين لما أعددت نفسي من المسلمين".
​وصح مثل ذلك عن تلميذه العارف بالله تعالى الشيخ أبي العباس المرسي، رحمهم الله ورزقنا حبهم آمين.
​ومن مناقبه أيضاً ما نقله حفيده أبو حفص عمر بن عيسى بن عبد الوهاب الذي تقدمت ترجمته سابقاً، ونقلته من خطه بواسطة ما نصه:
"إن الشيخ مولانا عبد السلام كان يوماً بازاء خلوته يتلو القرآن، ومعه تلميذه ووارث حاله الشيخ أبو الحسن على الشاذلي، وعند ما وصل إلى قوله تعالى في سورة الأنعام: {وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها}، نزل به حال قوي اقتطعه من حسه واستغرق فيه مدة، فلما أفاق رفع يديه إلى السماء داعياً الله تعالى؛ وكان ممن جملة ما دعا به (أن من سبق له الشقاء والحرمان لا يصل إليه، وإن من وصل إليه يكون شفيعاً له يوم القيامة)، وهو معنى ما وجد بخط الشيخ العارف بالله تعالى مولاي عبد الله الغزواني، ونقل عن الولي الصالح مولاي عبد الله بن إبراهيم الشريف اليملحي العلمي نزيل جبل وزان ودفينه، الذي وجدته بخط شيخنا سيدي محمد بن أحمد المَسْناوي".
​وهي ما رواه كثير ممن شرح الصلاة المشيشية، من قول تلميذه الشيخ الجامع، الشيخ أبي الحسن على الشاذلي رحمهم الله، قال:
"كنت يوماً بين يدي أستاذي، فقلت في نفسي ليت شعري هل يعلم الشيخ اسم الله العظيم الأعظم؟ فقال ولد الشيخ سيدي محمد وهو في آخر المكان الذي أنا فيه: يا أبا الحسن ليس الشأن من يعلم الاسم، إنما الشأن من يكون هو عين الاسم، فقال الشيخ: وهو في صدر المكان: أصبت وتفرست فيك ولدي". قالوا وهذه الكرامة لابنه سيدي محمد أكبر أولاده، المدفون وراء ظهره في ضريحه.
​وهي ما روي أن رجلاً قال للشيخ رحمه الله: يا سيدي وظف علي وظائف وأوراداً أعمل بها، فقال الشيخ في شدة وغضب للسائل:
​"أرسول أنا؟ الفرائض مشهورة، والمحرمات معلومة، فكن للفرائض حافظاً، وللمعاصي رافضاً، واحفظ قلبك من ارادة الدنيا، وحب النساء، وحب الجاه، وإيثار الشهوات، واقنع بما قسمه الله لك".
​وهي ما روي أيضاً، أن رجلاً قال له: يا سيدي أستأذنك في مجاهدة نفسي، فأجابه ارتجالاً: "انما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون".
​وهي ما هو جارٍ مجرى المثل على الألسنة إلى الآن، وذلك أن رجلاً قال للشيخ رضي الله عنه: لم اتخذت في تربيتك تلميذاً واحداً؟ وفي كثرة التلاميذ كثرة الأجر، فأجابه الشيخ بقوله:
​"شجرة مصونة أفضل من جنان مفرط".

​المنقبة الأولى: في مقام الكشف ومكاشفة أرباب القلوب

​المنقبة الثانية: شهادة الشيخ عمر بن عيسى

​المنقبة الثالثة: حقيقة الاسم الأعظم والتفرس

​المنقبة الرابعة: الوصية التربوية الجامعة

​المنقبة الخامسة: في مجاهدة النفس والارتياب

​المنقبة السادسة: قاعدة التربية (الشجرة المصونة)


​المبحث الثاني: التوثيق التاريخي لجهاد الشيخ في سبتة
​وهي ما رواه العلامة الشيخ عبد الحي الكتاني لما جاء زائراً ضريح الشيخ مولانا عبد السلام سنة 1371 هجرية وكان حاضراً من الشرفاء عند ضريح القطب المذكور، وهي أنه ثبت عنده بوثائق أن الشيخ مولانا عبد السلام أقام بمدينة سبتة من أجل الدخول إلى عدوة الأندلس بقصد المشاركة في المعارك الحربية أيام الموحدين، وقد طال مقامه بها عدة سنين، مع العلم أن مدينة سبتة كانت لذلك العهد مركزاً حربياً للعساكر الإسلامية، وقد كان يأخذ رزقه من تعليم القرآن الكريم لأبناء الجنود المسلمين.
​ويذكر أن سبب خروجه من سبتة كان بسبب اذاية امرأة سلطت عليه، وصادف الحال موت أخيه سيدنا الحاج موسى الرضى، وبعد رجوعه لازم الخلوة والعبادة 20 سنة ثم توفاه الله إليه شهيداً. قالوا وهي مدة القطبانية، ثم وجه الشيخ المذكور أسئلة لمن حضر معه تتعلق بأنسابهم ومعرفة المشاهير من أجدادهم فأجابوه عليها أجوبة صحيحة حتى كانوا يعرفونه مدفن كل واحد منهم، ثم شكرهم على ذلك ثم رافقه بعض الشرفاء لمزار قرية تزروت وزار مقبرتها وعرفوه على من بها من الأولياء المشاهير، ومنها رافقوه إلى قلعة حجر النسر، فزار ضريح الولي الصالح بها سيدي مزوار وتعرف على أثر القلعة ثم واصل السير إلى مدينة فاس.
​المبحث الثالث: شرح أبي الحسن الشاذلي لحكم شيخه وفنائه
​أشار رحمه الله إلى أن حضرة الله تعالى مقام رفيع مطهر لا يدخله إلا مطهر من جنابة الغفلة المعنوية، وهي الشك وحب الدنيا.
​ومن كلامه رضي الله عنه مع تلميذه ووارث سره الشيخ أبي الحسن على الشاذلي:
"الزم الطهارة من الشكوك، كلما أحدثت تطهرت، ومن دنس حب الدنيا كلما ملت إلى شهوة أصلحت بالتوبة ما أفسدت بالهوى أو كدت، وعليك بمحبة الله على التوقير والنزاهة، وأدمن الشرب بكأسها مع السكر والصحو كلما أفقت أو تيقظت شربت حتى يكون سكرك وصحوك به".
​ويشرح الشيخ أبو الحسن معنى غيبوبة المحب عن غيره وفنائه فيه، وهذا معنى قول الشيخ نفعنا الله به: "شراب المحبة مزج الأوصاف بالأوصاف"، أي تغييب المحبوب أوصاف المحب في أوصافه، فيفنى عن أوصاف نفسه. قال قال قائلهم:
المبحث الرابع: السيرة التاريخية، المولد، والتحقيق العلمي
​ويرجع تاريخ ميلاده إلى حوالي سنة 559 أو 563 هجرية، وخُلق بقرية الحصن من قبيلة بني عروس القريبة من ضريحه الواقعة في سفح الجبل الذي هو به من جهة القبلة، ويوجد البيت الذي ولد به الشيخ المذكور بازاء جامع الدلم محفوظاً إلى الآن (1392 هجرية). وبالقرية المذكورة ثلاثة مساجد أخرى فرعية لاقامة الخمس، وتمتاز القرية المذكورة ببناء حصن مولاي اليزيد العلوي بالقرب منها.
​وعلى التاريخ الأخير (563 هـ) يكون عاش مع الولي الصالح مولاي عبد القادر الجيلاني في الشرق سنتين، لأن تاريخ وفاته سنة 565 هجرية. وما قيل من أنه كان في مكتب القرآن وهو يتعرض له فيقطع عليه من المغرب سقى بستانه، فهو من خرافات العامة، ولا أساس له من الصحة. وتاريخ ميلاده بناء على أنه عاش 63 سنة كعمر النبي صلى الله عليه وسلم، وتوفي شهيداً بالمغرب بسفح جبل العلم سنة 622 هجرية.
​ولما بلغ سن التعليم أدخله والده مَشِيش مكتب القرآن الكريم على عادة سكان أهل القرى، ولم تمر عليه اثنتا عشرة سنة حتى حفظ القرآن الكريم بالروايات السبع.
  • شيخه في القرآن: ويقال أن شيخه القرآني هو الولي الصالح سيدي سليم دفين قبيلة بني يوسف.
  • شيخه في الفقه (العسلاني): ومن أشهر مشائخه في الدراسة الفقهية: الولي الصالح الفقيه العلامة الحاج أحمد الملقب بـ "أقطران"، واستبدلت هذه الكلمة أخيراً بـ "العسلاني" تأدباً مع الشيخ المذكور، وهو من قرية أبرج بقبيلة الأخماس بالقرب من باب تازة، وتقدر المسافة بينها وبين قرية الحصن المذكورة بنحو 40 ميلاً. وضريح الشيخ العسلاني من المزارات الشهيرة وعليه مشهد من المباني الفاخرة، كان الشيخ مولاي عبد السلام يأخذ عنه العلوم الفقهية بالمدونة على مذهب إمامنا مالك.

​المنقبة السابعة: زيارة الشيخ عبد الحي الكتاني عام 1371 هـ

من المآثر التوثيقية الجليلة التي خلّدها التاريخ الحديث لضريح القطب مولاي عبد السلام بن مشيش، هي تلك الزيارة العلمية والصوفية الحاشدة التي قام بها المحدث والمُسند الشهير الشيخ الشريف عبد الحي الكتاني في عام 1371 هجرية (الموافق لـ 1952 ميلادية).
​ولم تكن هذه الزيارة مجرد عبور عابر، بل كانت حدثاً مشهوداً غصّت به شعاب جبل العلم، حيث وفد الشيخ الكتاني في موكب مهيب يضم ثلة من العلماء، والفقهاء، وطلبة العلم من مختلف الحواضر المغربية. وقد تميزت هذه الزيارة بأبعاد علمية وروحيّة وثّقها المعاصرون:
  • المذاكرات العلمية والحديثية: شهدت مجالس الزيارة في رحاب الحصن المشيشي إلقاء دروس في الحديث النبوي الشريف، وتبادل الإجازات العلمية بين العلماء الحاضرين، وإحياء المأثور من الأذكار والصلوات المشيشية.
  • الربط الاقتصادي والاجتماعي للقبائل: ساهمت الزيارة في تجديد الأواصر بين شرفاء بني عروس ومحيطهم العلمي في فاس وسائر الحواضر، وأكدت على المكانة المركزية التي يحظى بها جبل العلم كقبلة روحية ومحج علمي لا ينقطع أثره عبر العصور.
  • القيمة التوثيقية: تعد هذه الزيارة من الأدلّة التاريخية المعاصرة على استمرار التعظيم العلمي وال공عي لطريقة ونسب الشيخ مولاي عبد السلام بن مشيش، وقد سُجلت تفاصيلها برصانة لتكون شاهداً على حيوية هذا المزار الشريف في القرن الرابع عشر 
  • الهجري.


​Academic Translation for Researchers and Orientalists 

English Translation

Section 1: Verification of the Date and Place of Birth

​Historical sources and verified genealogical records in the archives of Northern Morocco consensus that the spiritual pole, Moulay Abdel Salam ben Mchich, was born during the late 6th century AH, specifically around 559 AH (1163 CE).

​Regarding his birthplace, he began his blessed life in the region of Ghomara in Northern Morocco, specifically in the fortress of "Bani Arous" in Mount Alam (Jebel al-Alam, Tetouan region). This rugged and fortified geographical terrain was not merely a birthplace, but rather a nurturing environment for his noble lineage and the spiritual upbringing that defined his subsequent legacy in Maghrebi history.

Section 2: Refutation of Extraneous Narrations Regarding His Death

​The scientific and spiritual history of Sheikh Moulay Abdel Salam ben Mchich has been subjected to certain extraneous accounts and unsubstantiated narratives that attempted to distort the reality of his martyrdom. Methodologically, the most critical points to refute are:

  • Refutation of the claim of a natural death: Superficial accounts claim that he died naturally in his solitary retreat. Rigorous historical investigation refutes this assertion, proving that the Sheikh died a martyr, assassinated by the followers of the false prophet and sorcerer, "Ibn Abi al-Tawajin al-Kitami," who opposed the call of orthodox Sunni Sufism led by Ben Mchich.
  • Refutation of legendary exaggerations during the assassination: Some popular folktales attempted to add a mythical nature to the night of his martyrdom (622 AH). This is denied by verified scientific research, which relies on the realistic jihadist and ethical dimension of the Sheikh; he was martyred while standing in the dawn prayer (Fajr), defending the strongholds of the correct creed.

Section 3: His Quranic and Scholarly Education, and His Sheikhs

​Moulay Abdel Salam ben Mchich received a rigorous Islamic education that combined Sharia (exoteric law) and Haqiqa (esoteric truth), following the path of the verified scholars of Morocco:

  • Quranic and Scholarly Studies: He completely memorized the Holy Quran at the age of seven with various recitations. He then immersed himself in the study of Maliki jurisprudence (Fiqh), Prophetic Hadith, and Arabic linguistics in the Ghomara region, which was a beacon of knowledge at that time.
  • His Sheikhs (Teachers): The Sheikh graduated at the hands of the eminent scholars and spiritual educators of his era, most notably:
    1. Sheikh Ahmed, nicknamed "Aqtran": From whom he learned the Quranic recitations and sciences during his early upbringing.
    2. Sheikh Abderrahman Al-Attar: His guide in spiritual behavior (Suluk) and education, from whom he received the secrets of the Sunni Sufi path before settling in Mount Alam for devotion.

The Seventh Merit: The Visit of Sheikh Abdul-Hayy Al-Kattani in 1371 AH

​Among the sublime documentary achievements of the modern history of the shrine of Moulay Abdel Salam ben Mchich is the massive scholarly and spiritual visit made by the famous traditionist (Muhaddith) Sheikh Sharif Abdul-Hayy Al-Kattani in the year 1371 AH (1952 CE).

​This visit was a historic event in Mount Alam, attended by a delegation of scholars and jurists. Its dimensions included: scholarly discussions and the exchange of Hadith certifications (Ijazat), strengthening social bonds with the Shurafa of Bani Arous, and documenting the continuous intellectual reverence for the Mchichian lineage.


Traducción al Español





بقلم: الباحث جعفر اللهيوي
المشرف على منصة "أرشيف شمال المغرب" للتوثيق والبحث التاريخي.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الزعيم الأسطورة مولاي أحمد الريسوني: جولة في عقل ثائر".

المكيدة الكبرى: حين عجز الرصاص ولجأ الاستعمار إلى الغدر لإسقاط الريسوني

Episode 53: Decoding History – The Strategic Architecture of the 1921 Northern Moroccan Resistance