وثيقة عام 1912: مؤتمر سيدي مزوار واتفاق المجاهدين بقيادة مولاي أحمد الريسوني على تطهير القبائل وتنظيم الجهاد

مؤتمر سيدي مزوار عام 1912 بقيادة الزعيم مولاي أحمد الريسوني لتطهير القبائل وتنظيم المقاومة والجهاد في شمال المغرب - لقطة تاريخية تعبيرية تجمع قادة جبالة وأعيان القبائل.

​يُعتبر عام 1331 هجرية، الموافق لعام 1912 ميلادية، من أدق وأخطر المراحل التاريخية في شمال المغرب؛ وهو العام الذي فرضت فيه الحماية الأجنبية على البلاد. في هذا السياق العصيب، تبرز وثائق من كتاب تاريخ الزعيم مولاي أحمد الريسوني لتكشف كيف تنظم العمل الجهادي في مناطق جبالة، وكيف سعى قادة حركة المقاومة إلى تحصين الجبهة الداخلية وتطهير المجتمع بالتوازي مع مواجهة الزحف الاستعماري.

​شهادة الكولونيل الإسباني "سيلفيستري" في حق الزعيم الريسوني

​لا يمكن فهم القيمة التاريخية والسياسية لشخصية المولاي أحمد الريسوني دون الاستماع إلى شهادات خصومه وألدّ أعدائه. ومن أبرز تلك الشهادات ما صرح به الكولونيل الإسباني اللدود "سيلفيستري"، والذي اعترف بعجز الدبلوماسية والعسكرية الإسبانية عن ثني الزعيم عن موقفه، حيث قال:
​"الريسوني زعيم جبالة، قد بذلت في سبيل إقناعه جهوداً مضنية في تجنب الخلاف بيننا وبينه فلم يقتنع، وكان تصميمه وعزمه صادقين لا يرضى بهما بديلاً".
​توضح هذه الشهادة الاستعمارية بوضوح العقيدة الصلبة التي كان يتحرك بها الريسوني، ورفضه المطلق للمساومة على حساب سيادة أرضه ودينه.

​مؤتمر سيدي مزوار التاريخي (1331 هـ / 1912 م)

​مع بداية التغلغل الأجنبي، انعقد مؤتمر حاشد بضريح الولي الصالح "سيدي مزوار" (في منطقة جبالة بشمال المغرب)، برئاسة الشريف الزعيم مولاي أحمد الريسوني، وبحضور رؤساء القبائل المجاهدة وأعيانها. كان الهدف من هذا المؤتمر وضع خطة استراتيجية شاملة للجهاد، تقوم على ركنين أساسيين: تطهير الداخل، ومقاومة الخارج.

​أولاً: تطهير المجتمع وتحصين الجبهة الداخلية

​اتفق المجاهدون في هذا المؤتمر على محاربة كل مظاهر الفساد الاجتماعي التي قد تضعف روح الجهاد. ومن أبرز القرارات التي اتُّخذت:
  • ​منع جلب الباغيات والنساء اللواتي يُستغللن بطرق غير مشروعة للرقص والفساد في القبائل والمدن.
  • ​إعطاء الأوامر بجمع أولئك النسوة من مختلف الحواضر والمداشر، حيث جُمعت وأُحصيت عند ضريح الولي الصالح سيدي مزوار سبعون امرأة.
  • ​نُقلت النسوة إلى قلعة "حجر النسر" الحصينة والمقدسة بواجهة قبيلة سماتة. وهناك، وُضعت خطة لإصلاحهن عبر تخييرهن بين الزواج الشرعي، أو الخدمة في بيوت العائلات الغنية بأجر يضمن كرامتهن، مع منحهن كامل الحرية في الاختيار.

​ثانياً: الفتوى الصارمة والموقف من المتعاونين

​لم يقف المؤتمر عند الإصلاح الاجتماعي بل وضع إطاراً شرعياً صارماً للتعامل مع من يسهلون مأمورية المحتل. واستند المؤتمرون في ذلك إلى الفتوى الشهيرة التي أفتى بها قاضي الجماعة بفاس الإمام علي التسولي للمجاهد الأمير عبد القادر الجزائري، والتي تنص صراحة على:
​"أن من باع بيضة للعدو الكافر فهو كافر يجب قتله وحل دمه وماله".
​كان الهدف من تبني هذه الفتوى قطع الطريق تماماً على أي شكل من أشكال التجسس أو الإمداد الاقتصادي لجيوش الاحتلال.

​حركة المجاهدين في قبائل الخلوط والغربية: أحداث "قرية أولاد حباس"

​تنقل لنا صفحات التاريخ تطبيقاً عملياً لهذه القرارات الصارمة. فقد كانت قبائل الخلوط والغربية أولى المناطق التي دخلت تحت نفوذ المحتل الإسباني ورضيت بالاستسلام، وتولى قيادتها وتوجيهها آنذاك أفراد من عائلة "الرميقيين" الذين تركوا الجهاد وداهنوا المستعمر.
​ونتيجة لهذا الموقف الموالي للاحتلال، تحولت تلك المناطق إلى هدف عسكري مشروع للمجاهدين. وفي هذا الصدد يروي التاريخ الحادثة التالية:
  1. ​خرجت جماعة من المجاهدين من قبيلة سماتة وقصدت قبيلة الغربية الواقعة تحت النفوذ الأجنبي.
  1. ​تسلل المجاهدون ليلاً ودخلوا إلى "قرية أولاد حباس" لمعاقبة سكانها على استسلامهم وأخذ أمتعتهم ومواشيهم كغنائم حرب (حيث جمعوا البقر والغنم والخيول والبغال).
  1. ​ترك المجاهدون حراسة خارج القرية، وحين أحس بعض السكان بالحركة ودخلوا في مواجهة، أطلق الحراس رصاصة واحدة كانت كافية لردعهم، فانسحب المجاهدون سالمين غانمين بكل ما كان في القرية دون وقوع خسائر في الأرواح.
​وعند العودة، التقى المجاهدون برجال الحراسة المحليين الذين ودعوهم بالدعاء والترحيب قائلين: "قفوا وادعوا معهم بالخلف والراحة والهناء"، لتستمر حركة المقاومة معتمدة على قراها الحصينة في جبال الشمال.

​خاتمة المرجع والأثر التاريخي

​تؤكد هذه النصوص والوقائع أن حركة الزعيم مولاي أحمد الريسوني لم تكن مجرد رد فعل عسكري عشوائي، بل كانت حركة منظمة تعتمد على المؤتمرات والاتفاقيات القبلية، وتستند إلى الفتاوى الشرعية، وتسعى جاهدة لربط القبائل (من سماتة والغربية والخلوط وبني عروس) برباط الجهاد والدفاع عن حوزة الوطن.
حقوق النشر والتوثيق: مستخرج من أرشيف وثائق تاريخ شمال 

Traducción al español:

El testimonio del coronel Silvestre sobre El Líder Al-Raisouni:

​"Al-Raisouni, el líder de Yebala, he realizado esfuerzos arduos para evitar el desacuerdo entre nosotros y él, pero no se convenció. Su determinación y resolución eran sinceras, y no aceptaba ninguna alternativa a ellas".


El histórico Congreso de Sidi Mezouar (1912):

En el año 1331 de la Hégira (1912 m.), se celebró un gran congreso en el mausoleo del santo Sidi Mezouar, presidido por El Líder Moulay Ahmed Al-Raisouni y con la presencia de los jefes de las tribus muyahidines. En este congreso se acordó purificar la sociedad de la corrupción, reuniendo a las mujeres que eran explotadas ilegalmente y trasladándolas a la fortaleza de Hayar Al-Nasr en la tribu de Sumata, donde se les dio a elegir entre el matrimonio legal o el servicio digno. Asimismo, se adoptó una postura firme contra los colaboradores del ocupante, basada en los dictámenes legales de la época.

اقرأ أيضاً في أرشيفنا / Leer también en nuestro archivo:

لمتابعة كيف تم الحفاظ على هذه المراسلات والوثائق النادرة وكشف كواليس تلك الحقبة التاريخية، يمكنك الاطلاع على مقالنا المفصل:

أرشيف المؤرخ طاهر اللهيوي والبيروقراطية / El archivo del historiador Taher El Lhioui

 



بقلم: الباحث جعفر اللهيوي
المشرف على منصة "أرشيف شمال المغرب" للتوثيق والبحث التاريخي.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الزعيم الأسطورة مولاي أحمد الريسوني: جولة في عقل ثائر".

المكيدة الكبرى: حين عجز الرصاص ولجأ الاستعمار إلى الغدر لإسقاط الريسوني

Episode 53: Decoding History – The Strategic Architecture of the 1921 Northern Moroccan Resistance