محنة جفاف عام 1995 في المغرب: قراءة في مخطوط تاريخي نادر لرحلات الاستسقاء بالشمال

​"نُشر هذا البحث وفاءً للمسيرة العلمية للمؤرخ السيد الوالد الطاهر اللهيوي، وصيانةً لذاكرة المنطقة ورجالاتها الذين صنعوا التاريخ."

لوحة تعبيرية للمغاربة يتضرعون بالدعاء طلبًا للغيث خلال جفاف 1995



​مقدمة وعظية: بلاء المصائب للتطهير والتوابين
​وبعض (الأحاديث القدسية) يقول الله عز وجل: "أهل ذكري أهل مجالستي، وأهل شكري أهل (أحبائي)، وأهل معصيتي وأهل مخالفتي، فلا أقطعهم من رحمتي، فمن تاب إليّ حبيبتهم، وأحبُّ (التوّابين) وأحبُّ المتطهّرين، فمن لم يتب فإنّي طبيبهم أبتليهم بالمصائب لتطهيرهم (المعارف) هـ".
​يا قومِ.. {أَنَّىٰ لَهُمُ الذِّكْرَىٰ}؟ وإلى أين تسير هذه البشرية؟ بشرية القرن الخامس عشر الهجري، وخمسة وتسعين من القرن العشرين للميلاد (1995م). لقد كُنّا أمة مسلمة بالقول والفعل، وصرنا أمة مسلمة بالقول لا بالفعل، لما أصابنا من الانحراف عن ديننا واتباع الهوى.
​إن غياب الوعي والركض وراء زينة الحياة الدنيا أورث المجتمع أزمة كبرى وكربة ألمّت بالغافلين المنحرفين. لقد انشغل الناس بتجاراتهم وأعمالهم وكسبهم، وصرفهم الشيطان وأعمى أبصارهم عن سماع الحق واتباع طريق الإسلام، مما أفسد نياتهم وعقائدهم وتصرفاتهم، فحقّت عليهم المحنة؛ مصداقاً لقوله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ}.
​محنة عام 1995م وأثرها على الشمال المغربي
​لقد بدت آثار هذه المحنة والفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون. وكانت أزمة الجفاف والغرائب، وأزمة الرعي، والشر الذي أصاب مجتمعنا في المغرب والمنطقة، وتحديداً عام 1995م، قد أثرت تأثيراً بالغاً؛ وكان حظ أهل الشمال من أزمة القحط هذه شديداً، حيث انصرف الكثيرون عن الحلال إلى الحرام، وقدموا الشهوات واتبعوا الهوى.
​وهناك صوت جهيد تردده إذاعة الرباط لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الماشية جراء القحط التام. هذا الصوت ينبغي ألا يُنسى، إذ يُنذر بمحاربة الجفاف بالوسائل الدنيوية دون الالتفات إلى المسبّب الخالق سبحانه. ففقدنا الصواب في القول والفعل، وفي هذه الأثناء تخبرنا عواقب أحوال الدنيا وعن سنن الله في خلقه إذا بغوا وأفسدوا في الأرض بغير الحق.
​ومن الكربات التي لحقت بأمة الإيمان جراء جفاف ذلك العام الذي أصاب المدن والبوادي، أن الله رفع عنهم الأمطار الكافية التي كانت قوام العيش المعيشي. وحلّت أزمة قاسية على الأخضر واليابس، وفُقد ما كان ينزل عليهم من الأمطار الكافية لهم ولمواشيهم في كل سنة؛ مصداقاً لقوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ ۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ}. وقد أذهب الله مياه العيون في بعض الجهات، وحلّ بالناس عذاب شديد في طلب الرزق الكافي لهم ولمواشيهم، فما أعظمها من محنة! وإنا لله وإنا إليه راجعون.
​تنظيم رحلات الاستسقاء في قرى الشمال
​ولما اشتد بالناس القحط وعزّ ماء العيون والآبار، تداعى أهل الصلاح واليقين لتنظيم رحلات الاستسقاء طلباً للغيث والرحمة. وقد جرت العادة المباركة أن يجتمع الناس في مساجد مشاهير الأولياء والصالحين ببلاد جبالة والغمارة وغيرها، حيث يُستجاب فيها دعاء عباد الله المؤمنين. ولكن لا بد من مراعاة شروط الاستجابة، وأولها أكل الحلال، والتغذي بالحلال، مع الإلحاح في الدعاء بقلوب خاشعة منيبة لله رب العالمين؛ لقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ ۚ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ}.
​وقد جرت العادة ببلاد الشمال عند الأزمات أن يقدموا تبرعات مالية على قدر وسعهم وطاقتهم، ابتغاءً للرحمة ورفع الغمة. وتُسجل وثائق تلك الفترة تفصيلاً تاريخياً دقيقاً لخطوات الاستسقاء في قرى بعينها، سارت على النحو التالي:
  • أولاً: التجمع بقرية (عين بيشة)، حيث اجتمع الصالح سيدي محمد بن علي مع الوالي الصالح سيدي بن عزوز، وتلوا آيات من كتاب الله ودعوا طويلاً.
  • ثانياً: التوجه إلى مصلى القرية المجاورة بمشاركة الصغار والشيوخ، تضرعاً لله وبكاءً طلباً للسقيا.
  • ثالثاً: إقامة صلاة الاستسقاء بالصفة الشرعية المأثورة عن النبي ﷺ، مع قراءة السور المخصوصة والابتهال برفع الأيدي مقلوبة كما في السنة.
  • رابعاً: تعداد الأذكار والاستغفار؛ استمداداً لقوله تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا}.
  • خامساً: تقديم الطعام والصدقات للفقراء وعابري السبيل من أهل المنطقة تودداً وتقرباً برفع البلاء.
​مواقف العبرة وأثر المعاصي على حبس المطر
​وفي غمرة هذه المجهودات، تحرك الناس والبهائم في عناء شديد لطلب المياه الضرورية للحياة، ولا سيما المياه الكافية لخيام البدو والماشية. إلا أن بعض المقاصد والرحلات واجهت جفافاً كبيراً في العيون، ولم يجدوا كفايتهم من الماء بالوسائل المعتادة.
​وقد سُلطت محنة الجفاف في هذا العام كنوع من الابتلاء والامتحان الإلهي، ليرى الله من يثبت ومن يقنط. فما أشد سنوات الجفاف حين تمسك الأرض نبتها وتمسك السماء قطرها! ولم ينفعهم في ذلك تعمير الأرض ولا المبالغ المالية التي بذلوها في محاولات حفر الآبار العشوائية بغير علم، بل كان الأمر يتطلب توبة صادقة نصوحاً تفتح أبواب السماء.
​روي عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث. ولقد شوهد في تلك الفترة أن زراعة "الحشيشة المحرمة" قد اتسعت في بعض النواحي، وبسببها استغرق الناس في محنة المعاصي، ففسدت أحوال أهل الإيمان وأعرضوا عن الدعاء بالطرق المشروعة، وحل الجفاف ببعض الجيوب والقرى التي غمرتها تلك التجارات، ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً.
​أهوال القحط على الماشية ومعاش البدو
​وإذ فاجأهم القهر الإلهي بما لم يكن في حسبانهم من فقدان العيون والآبار، تضررت حياة الحيوانات والماشية التي كانوا يستعينون بها على معاشهم في حرث الأرض ونقل الأمتعة. وأصبح الناس يهمون في طلب المرعى الكافي لمواشيهم وحيواناتهم الضرورية لحياتهم المعيشية، فلا يجدون إلا اليأس.
​ولم يعد هناك راحة لهم ولا لأبنائهم في جلب المياه الكافية، وصار الاستسقاء عند الماء العمومي (السقايات والآبار العامة) يشهد ازدحاماً لا ينقطع ليلاً ولا نهاراً، وربما مرت الساعات والناس يكادون يقتتلون عليها من شدة الضيق. وحتى عند خروجهم للزرع، كان الفلاحون يخرجون وهم يائسون مستسقون، يدعون الله تارة ويدعون السلف والصالحين تارة أخرى بغير بصيرة، تاركين شريعة الإسلام النقية في الاستسقاء والإخلاص لله تعالى في المحن.
​خاتمة النداء: العودة إلى شريعة الإسلام
​إن هذه المشاهد الأليمة التي سجلتها ذكريات عام 1995م في أرجاء المغرب وأرياف الشمال، هي رسالة واضحة لكل ذي لب. فلا نجاة من القحط، ولا أمان من تقلبات الزمان، إلا بالرجوع الكامل إلى كتاب الله، والتمسك بسنة رسوله ﷺ، والابتعاد عن الكسب الحرام الذي يحبس القطر من السماء.
​نسأل الله العلي القدير أن يتغمد البلاد والعباد برحمته، وألا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، وأن يسقينا غيثاً مغيثاً هنيئاً مريئاً، طبقاً مجللاً، نافعاً غير ضار، يعيد للبوادي حياتها وللعيون تدفقها، إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير.
المصدر: من مصادر وأوراق "أرشيف شمال المغرب" - زاوية التوثيق التاريخي والاجتماعي.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الزعيم الأسطورة مولاي أحمد الريسوني: جولة في عقل ثائر".

المكيدة الكبرى: حين عجز الرصاص ولجأ الاستعمار إلى الغدر لإسقاط الريسوني

Episode 53: Decoding History – The Strategic Architecture of the 1921 Northern Moroccan Resistance