صرخة واقعية من جبال الشمال
يستعرض هذا المقال وثيقة تاريخية فريدة تكتسي أهمية بالغة في فهم تعقيدات المشهد السياسي في شمال المغرب خلال الثلث الأول من القرن العشرين؛ وهي عبارة عن مراسلة رسمية من أحمد الريسوني إلى الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي. لا تكمن قيمة هذه الرسالة في قيمتها الأرشيفية فحسب، بل في كونها مرآة تعكس طبيعة التواصل بين قطبين من أقطاب المنطقة، وتكشف ملامح الإدارة المحلية وسياقات التحالفات الوطنية في تلك الحقبة الحرجة من تاريخ المغرب المعاصر
ملاحظة من الناشر: "هذه الرسالة ليست مجرد سطور، بل هي وثيقة تعكس الانكسار والواقعية الجيوسياسية التي عاشتها المنطقة. وجدتها محفوظة بعناية بين دفتي المجلد الرابع من مؤلفات والدي المؤرخ الطاهر اللهيوي، وهي مرقونة بالآلة الكاتبة (الداكتيلو) لتخلد حواراً بين مدرستين في المقاومة."
"انفراد تاريخي من (أرشيف شمال المغرب): ننشر لأول مرة نص الوثيقة النادرة المكتوبة بالآلة الكاتبة (الداكتيلو) التي وجدها الباحث جعفر اللهيوي في مكتبة والده المؤرخ الكبير الطاهر اللهيوي. تتضمن الوثيقة مراسلة سرية ومكاشفة واقعية من الزعيم أحمد الريسوني إلى الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، يشرح فيها الريسوني بلهجة صادرة عن مرارة الانكسار أسباب لجوئه لصلح 1922، موضحاً العوامل الجيوسياسية والمناخية والاقتصادية التي أثرت على المقاومة في الجبل والريف، ومقارنة دقيقة لموازين القوى العسكرية بين القبائل والجيش الإسباني."
نص الرسالة:
الحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
إلى جناب الصديق الأوفى، السيد محمد بن عبد الكريم الخطابي.. السلام عليكم ورحمة الله وبعد،
يخاطب الزعيم الريسوني في هذه المراسلة الأمير الخطابي، مستهلاً حديثه بالرد على طلب "نقض الصلح" مع الإسبان. يوضح الريسوني بلهجة يملؤها الصدق المرير أن القوة والمال والرجال قد نفدوا، ولم يبقَ إلا التوكل على الله بعدما ضاقت السبل.
يقول الريسوني في مرافعة تاريخية عن موقفه:
"ليكن في علمكم أننا لم تبقَ بين أيدينا قوة مال ولا رجال حتى نستمر في الحرب.. لقد أخرجونا من ديارنا وألجأونا للتحصن بالجبال."
ويستطرد واصفاً قسوة الجغرافيا التي لا ترحم، حيث الثلوج والأمطار في "الجبال الشواهق" تجعل المقام مستحيلاً، مؤكداً أن الصلح لم يكن اختياراً بل كان ضرورة لتجنب الهلاك المحقق.
السياسة والحرب:
يكشف الريسوني سراً من أسرار قيادته، معترفاً بأن حروبه مع "الإسبانيول" كانت "سياسية أكثر منها حربية"، محذراً الأمير الخطابي من الاغترار بالقوة، مشيراً إلى الحصار الاقتصادي الخانق؛ حيث القبائل الجبلية والريفية لا تملك أرضاً خصبة ولا صناعة تصديرية، وتعتمد في قوتها ولباسها على الجهة الجنوبية التي كانت تحت السيطرة الفرنسية آنذاك.
ميزان القوى:
ينتهي النص المتاح بمقارنة حسابية دقيقة؛ فالإسبان يمتلكون من الجنود المغاربة والمعدات العتيدة ما يفوق قدرة القبائل، ويختم بنبرة تحذيرية: "لا يغرنكم نصركم.. فأنتم تواجهون منظمة فنية تصنع آلتها الحربية بنفسها."
لماذا يجب أن تقرأ هذه الوثيقة اليوم؟
هذا النص الذي استخرجه والدي الطاهر اللهيوي يفتح لنا باباً لفهم تعقيدات تاريخ شمال المغرب؛ فهو يظهر الريسوني ليس كمنهزم، بل كقائد يقرأ "ميزان القوى" بعين السياسة لا العاطفة، ويضعنا أمام تساؤلات كبرى حول وحدة المصير بين الريف والجبل في تلك الحقبة الحرجة.
"للحصول على دراسات معمقة حول هذه المراسلة أو لطلب نسخ من أرشيف الوالد، يسعدنا تواصلكم عبر البريد الإلكتروني الموجود في القائمة الجانبية."
English Summary:
"This historical document, preserved in the private library of the historian Taher El Lhioui, reveals a rare correspondence between the leader Ahmad al-Raysuni and the Emir Abd el-Krim el-Khattabi. In this letter, Raysuni justifies his 1922 truce with the Spanish, citing the lack of resources and the harsh geographical conditions of the northern Moroccan mountains."

تعليقات
إرسال تعليق
We value your valuable feedback on these archive documents. Feel free to leave a comment—signing in with Google is optional if you'd like your name attached to your contribution