الريسوني: "الزعيم" في زمن التيه.. حينما كان للحلم وطن وللفساد عنوان

​"نُشر هذا البحث وفاءً للمسيرة العلمية للمؤرخ السيد الوالد الطاهر اللهيوي، وصيانةً لذاكرة المنطقة ورجالاتها الذين صنعوا التاريخ."

أرشيف شمال المغرب | ذاكرة حيّة، وطنٌ كريم"



​في دهاليز التاريخ المنسي، وخلف أوراقِ جدي التي أُعيد اليوم نفض الغبار عنها، لا أجدُ فقط حبراً جافاً أو تواريخَ باهتة، بل أجد "روحاً" كانت تهفو لمغربٍ آخر. مغربٍ لم يكن يرتضي الانحناء أمام عواصفِ الحماية، ولم يكن يقبل أن يُباع فيه الإنسان في سوقِ النخاسة السياسية.

​اليوم، وأنا أنظر إلى واقعنا المرير، حيث يتربع "اللصوص" على عروشِ القرار، وتُهمش فيه كرامة المواطن حتى يصبح غريباً في وطنه، لا يسعني إلا أن أستحضر صورة أحمد الريسوني — "El Jefe" — ليس كحكايةٍ قديمة، بل كفكرةٍ ثوريةٍ أجهضها زمنٌ لم يعرف إلا الخنوع.

سلطةٌ من رحم المعاناة

لقد كان الريسوني، في نظري ونظر كل من أدرك جوهر صراعه، ليس "خارجاً عن القانون" كما سوّقت لنا الماكينة الاستعمارية وأبواق المخزن التي لا تتقن إلا التشويه. كان "زعيماً" استمد شرعيته من جبالة، من صمود الأرض، ومن كرامة الفلاح الذي كان يرفض أن يظل مجرد رقمٍ في حسابات "الفساد المخزني". كان يحلم بسيادةٍ محلية، بنظامٍ يرى المواطن كشريكٍ في الأرض لا كقطيعٍ يُساق للذبح أو للتهميش.

بين "مخزن" الأمس و"خيانة" اليوم

إذا كان مخزن الأمس قد تحالف مع الحماية ليضمن بقاءه فوق أشلاء كرامة المغاربة، فإن "خونة اليوم" ساروا على النهج ذاته، وإن اختلفت العناوين. لقد تغيرت المسميات، وبقيت دار "الفساد" على حالها. بالأمس كان السلاح هو التواطؤ مع الاستعمار، واليوم السلاح هو تفقير الشعب، وتغليب منطق "الغنيمة" على حسابِ "المواطنة".

​في حضرة هذه المقارنة، لا يملك العقل إلا أن يطرح تساؤله الصادم: ألم يكن الريسوني، بصلابته ورؤيته لسيادة الكرامة، أجدر بأن يكون حاكماً على هذه الأرض، من هؤلاء الذين لم يورثونا إلا الخيبة، والفقر، وضياع المأوى؟

ما بعد التوثيق.. صرخة للوعي

إن مشروعي في "أرشيف شمال المغرب" ليس مجرد ترفٍ فكري، بل هو استعادةٌ لذاكرةٍ يراد لها أن تظل حبيسة الرفوف. نحن لا نوثق التاريخ لنتسلى بالماضي، بل لنضع "الخونة واللصوص" في قفص الاتهام أمام مرآة التاريخ. فالتاريخ لا يرحم، وإن طال أمد الظلم، ستظل "روح الزعيم" تطارد كل من سرق حلم المغاربة في وطنٍ كريم.

​سيبقى الريسوني عنواناً لما كان يمكن أن نكونه، وسنبقى نحن صوتَ الحق الذي لا يغيب، ما دمنا نملك الوثيقة، والذاكرة، ووجع الحقيقة.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الزعيم الأسطورة مولاي أحمد الريسوني: جولة في عقل ثائر".

المكيدة الكبرى: حين عجز الرصاص ولجأ الاستعمار إلى الغدر لإسقاط الريسوني

Episode 53: Decoding History – The Strategic Architecture of the 1921 Northern Moroccan Resistance