الشريف أحمد الريسوني: من خلوة العرفان إلى بركان الجبل

​"نُشر هذا البحث وفاءً للمسيرة العلمية للمؤرخ السيد الوالد الطاهر اللهيوي وصيانةً لذاكرة المنطقة ورجالاتها الذين صنعوا التاريخ."


: ملامح النشأة ولعنة الغدر

​لا يمكن قراءة تاريخ شمال المغرب بمعزل عن الرواية الشفوية الصادقة التي لم تلوثها أقلام المستعمرين ولا حسابات السياسيين. ما سأرويه هنا ليس مجرد سطور في كتاب، بل هو ما استودعني إياه والدي المؤرخ الطاهر اللهيوي رحمه الله، عن رجل ملأ الدنيا وشغل الناس: الشريف أحمد الريسوني.

​1. مجمولة: حيث ينبت العلم والغيرة

​بدأت الحكاية في قرية "مجمولة" الهادئة بقلب بني عروس. هناك، كان الشاب أحمد الريسوني يغترف من العلوم العرفانية، بعيداً عن صخب السياسة. لكن نداء الواجب كان أقوى؛ فمنطقة "فحص الزينات" الاستراتيجية بين طنجة وتطوان كانت تئن تحت وطأة الفوضى. عاد الشاب الفطن ليجد أمه المصونة وإخوته الأيتام في مواجهة "قراصنة البر" الذين استباحوا الأرزاق والحرمات في ظل عجز "مخزن فاس".

​2. جيش القصاص: العدل بحد السيف

​لم يكن الريسوني طالب سلطة، بل كان طالب عدل. أسس جيشه الخاص من شباب القبائل الغيورين (بني عروس، بني مصور، وغيرهم). بدأ بتطهير المنطقة، ينزع السلاح من الفاسدين ويجلد العابثين بالأمن. وبسرعة البرق، بايعته القبائل حامياً لها، فصار "دولة داخل الدولة"، الأمر الذي أرعب والي طنجة الفاسد الذي كان يبيع أراضي الوطن للأجانب.

​3. غدر "الزنديقة" وأغلال الصويرة

​لأن الفساد لا يقوى على المواجهة الشريفة، لجأ والي طنجة للمكيدة. استدرج الريسوني بدعوى التكريم والمصالحة، ليجد الشريف نفسه مكبلاً بالأغلال، مُرحلاً إلى سجن الصويرة. أربع سنوات قضاها خلف القضبان كانت كفيلة بتحويل "المصلح" إلى "بركان". خرج الريسوني من السجن بقلب لا يعرف الخوف وعقل لا يثق إلا في فوهة البندقية.

​4. 1906: بيع الوطن وصيحة الجهاد

​توج الخذلان الرسمي بـ "اتفاقية الجزيرة الخضراء" عام 1906، والتي شرعنت دخول المستعمر. هنا، صدح الريسوني بخطبته الشهيرة معلناً الجهاد ضد "المخزن الخائن" و"أوروبا الغازية" معاً. فرض "العولة" (ضريبة الجهاد) لتمويل المقاومة، ليلتحم جبل الشمال بأطلس المقاومة في ملحمة وطنية كبرى.

​5. دهاء الثعلب: انتحار كبرياء "خردانا"


لم تكن قوة الريسوني في رصاصه فقط، بل في دهائه. في إحدى أشهر وقائعه، حاول الجنرال الإسباني غوميز خردانا (Gómez Jordana) استمالة الريسوني عبر "اتفاقيات المصالحة"، حيث أغراه بالمال والسلاح بذريعة محاربة "المتمردين".

​لكن الريسوني، وبدهاء الجبل، قبل العرض، وما إن استلم العتاد و700 بندقية، حتى أمطر كتيبة الجنرال بوابل من النيران في فجر اليوم التالي، مبيداً إياهم بسلاحهم نفسه. تلك الهزيمة المدوية التي سحقت كبرياء "خردانا" وأدخلت الذل على جيش الاستعمار، ظلت محفورة في ذاكرة الجبل كرمز لانكسار الغطرسة أمام إرادة التحرر.

وحان الدور على الكل،،

مانويل فرنانديز سيلفيستري (Manuel Fernández Silvestre



سيلفيستري هو الخصم الذي "تجرع المرارة" من دهاء الريسوني في الجبال أولاً، لكنه لقي حتفه وانتحر فعلياً بعد اصطدامه بعبقرية الخطابي العسكرية في الريف. يمكنك وصفه بأنه "الجنرال الذي أرهقه دهاء الجبل وانتحر أمام إعصار الريف".

​خاتمة:

إن حكاية الشريف أحمد الريسوني ليست مجرد سرد لمواجهات عسكرية؛ بل هي فصلٌ جوهري في كتاب الكرامة المغربية. لقد كان الريسوني "بركان الجبل" الذي أثبت أن الإيمان بالحق أصلب من كل عتاد، وأن خبايا "قصبة تازروت" لم تكن مجرد جدران، بل كانت مدرسة للدبلوماسية الشعبية التي علمت المحتل أن أرضنا لا تُستباح، وأن لكل غادرٍ يوماً يرتد فيه سلاحه إلى نحره.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الزعيم الأسطورة مولاي أحمد الريسوني: جولة في عقل ثائر".

المكيدة الكبرى: حين عجز الرصاص ولجأ الاستعمار إلى الغدر لإسقاط الريسوني

Episode 53: Decoding History – The Strategic Architecture of the 1921 Northern Moroccan Resistance