"الزعيم أحمد الريسوني: أول من طرح مفهوم الحكم الذاتي (Autonomía) في شمال المغرب"
عندما تولى الشريف أحمد الريسوني مقاليد الحكم في منطقة الفحص، أصيلا، وطنجة ونواحيها، لم يكن ذلك مجرد توسع في النفوذ القبلي، بل كان إعلاناً عن ميلاد نظام إداري مهيب في شمال المغرب. لقد انتقل الريسوني من صفة القائد الثائر إلى صفة الحاكم المسؤول الذي أدرك أن استقرار المنطقة يعتمد على هيبة الدولة وسلطة القانون.
في هذه الفترة، أصبحت مدينة أصيلا العاصمة الإدارية لنفوذه، حيث أقام فيها "دار النيابة" الخاصة به، ومنها بدأت ملامح "رجل الدولة" تظهر بوضوح من خلال:
- بسط الأمن الشامل: استطاع الريسوني في وقت قياسي إنهاء حالة "السيبة" والفوضى التي كانت تضرب طرقات الشمال. تحولت المسالك بين طنجة وأصيلا والقصر الكبير إلى أكثر الطرق أماناً للقوافل التجارية والمسافرين، حيث فرض عقوبات صارمة على أي اعتداء يمس أمن المنطقة.
- الإدارة المباشرة للحوز: لم يكتفِ الريسوني بالحكم من بعيد، بل كان يشرف بنفسه على تعيين الولاة والقضاة في المداشر والقبائل التابعة لنفوذه، مما خلق شبكة إدارية متماسكة تدين بالولاء للقرار المركزي في أصيلا.
- الندية الدبلوماسية: بحكم قربه من طنجة "الدولية"، فرض الريسوني نفسه كحاكم لا يمكن تجاوزه في أي شأن يخص أمن الأجانب أو المصالح التجارية. لقد أجبر القناصل والجنرالات على التعامل معه كـ سلطة تنفيذية قائمة بذاتها، تملك زمام المبادرة والقرار في الشمال.
إن هذا التحول الجوهري في شخصيته هو ما مهد الطريق لطرحه المتقدم حول نظام "الحكم الذاتي" (Autonomía)، إيماناً منه بأن تدبير شؤون الشمال يتطلب قيادة محلية قوية تفهم توازنات المنطقة وتصون سيادتها.
Autonomía": الجذور التاريخية لمفهوم الجهوية في فكر الريسوني
لم يكن مطلب الشريف أحمد الريسوني بخصوص استقلال إدارة الشمال مجرد رغبة في الانفراد بالسلطة، بل كان رؤية سياسية واضحة لما نعرفه اليوم بـ "الحكم الذاتي" (Autonomía). لقد أدرك الريسوني، من خلال احتكاكه بالأنظمة الإدارية الأوروبية ومفاوضاته مع الإسبان، أن منطقة جبالة والشمال تمتلك خصوصية جغرافية واجتماعية تستوجب نظاماً تدبيرياً مرناً وفعالاً.
في المجلد التاريخي للمؤرخ الطاهر اللهيوي، نجد براهين قاطعة على أن الريسوني كان يطمح لنموذج حكم يجمع بين:
- السيادة الوطنية والخصوصية المحلية: التمسك بالارتباط بالعرش المغربي مع التمتع بصلاحيات واسعة في إدارة الشؤون الداخلية للمنطقة (الأمن، القضاء، والجبايات).
- التنظيم المؤسساتي: سعى الريسوني لترسيخ نظام "الولاية" الذي يمنح أهل المنطقة الحق في تدبير شؤونهم بأنفسهم، وهو الجوهر الحقيقي لفكرة الجهوية الموسعة التي يتبناها المغرب المعاصر وتطبقها دول مثل إسبانيا.
- الندية في الاتفاقيات: في مفاوضاته الشهيرة (مثل اتفاقية خلوة)، كان يصر على أن يكون هو "المخاطب الوحيد" والمسؤول عن استقرار المنطقة، مما يعكس رغبته في بناء كيان إداري قوي ومنظم يستطيع الوقوف أمام الأطماع الاستعمارية.
إن طرح الريسوني لمفهوم (Autonomía) في تلك الحقبة المبكرة، يجعله رائداً في الفكر الإداري المغربي، حيث قدم نموذجاً لتدبير الأقاليم بعيداً عن المركزية العقيمة، وهو ما يصحح النظرة التاريخية السائدة عنه ويضعه في مصاف المنظرين لبناء الدولة الحديثة
ديوان المظالم: الريسوني وإنصافه العامة
من أسمى سمات "رجل الدولة" التي تجلت في حكم الشريف أحمد الريسوني، هي دوره كمرجع أخير لإنصاف المظلومين والفصل في النزاعات المعقدة. لم يكن الريسوني حاكماً منعزلاً في قصره بأصيلا أو حصنه بتازروت، بل كان يخصص مجالس دائمة لاستقبال عامة الناس والاستماع لشكاويهم مباشرة.
بناءً على ما أورده المؤرخ الطاهر اللهيوي في مجلده التاريخي، تميز "ديوان المظالم" في عهد الريسوني بخصائص فريدة:
- القرب من الرعية: كان الريسوني يتلقى الشكاوى المتعلقة بالنزاعات القبلية، ومشاكل الأراضي، وحتى التظلمات من صغار القواد والموظفين، مما جعل سلطته هي الملاذ الآمن لكل من شعر بظلم.
- السرعة والحزم في التنفيذ: ما ميز قضاء الريسوني هو "العدالة الناجزة"؛ فلم تكن القضايا تضيع في ردهات الانتظار، بل كانت الأحكام تصدر وتنفذ بصرامة، مما أشاع نوعاً من الأمن الاجتماعي والطمأنينة بين السكان والقوافل التجارية.
- التوازن بين الشرع والعرف الجبلي: امتلك الريسوني حكمة بالغة في المزاوجة بين أحكام الشريعة الإسلامية والأعراف المحلية لقبائل جبالة، مما جعل أحكامه مقبولة ونافذة لأنها تنبع من ثقافة المجتمع واحتياجاته.
إن استلام الزعيم الريسوني لشكاوى العامة وتوليه أمرها بنفسه، كان بمثابة حجر الأساس لاستقرار منطقة الشمال في تلك الحقبة الصعبة، وبرهاناً قاطداً على أنه كان يمارس مهام الحاكم المسؤول عن رعيته، وليس فقط القائد العسكري المنشغل بالحروب
وثائق ومراسلات من أرشيف المؤرخ الطاهر اللهيوي (H2)
إن كل ما ذكرناه حول عبقرية الشريف أحمد الريسوني الإدارية وطروحاته السياسية لم يأتِ من فراغ، بل هو مستند إلى العمل التوثيقي الضخم الذي قام به الوالد، المؤرخ الطاهر اللهيوي، في مجلده التاريخي حول حياة الزعيم الريسوني.
يعد هذا المجلد كنزاً حقيقياً للأرشيف المغربي، حيث يحتوي على:
- المراسلات الرسمية: رسائل متبادلة بين الريسوني والقوى الدولية (إسبانيا وبريطانيا)، والتي تظهر لغة الدبلوماسية الراقية والندية التي كان يتعامل بها كحاكم للمنطقة.
- محاضر المفاوضات: توثيق دقيق للنقاشات التي دارت حول "الاستقلال الإداري" والترتيبات الأمنية في الشمال، مما يثبت بالدليل القاطع أن مطالبته بـ (Autonomía) كانت مشروعاً سياسياً متكاملاً.
- شهادات حية: جمعها المؤرخ الطاهر اللهيوي من معاصري تلك الحقبة، مما يعطي صورة واقعية عن نظام الحكم، وجباية الأموال، وإدارة الموانئ في أصيلا وطنجة.
إن هذا الأرشيف الذي نحتفظ به اليوم، ونعمل على رقمنته، هو الرد الحقيقي والوحيد على كل المحاولات التي سعت لتهميش دور الريسوني كـ "رجل دولة" ساهم في تشكيل الهوية السياسية الحديثة لشمال المغرب
انتظرونا في تدوينات قادمة سننشر فيها تفاصيل المراسلات النادرة من أرشيف الوالد الطاهر اللهيوي."
"قصر الريسوني بمدينة أصيلا: المركز الإداري والسياسي الذي كان يمثل 'دار النيابة' في عهد الشريف أحمد الريسوني، ومنه كانت تُدبر شؤون الشمال وتُستقبل الوفود الدولية والقناصل في مطلع القرن العشرين."

تعليقات
إرسال تعليق
We value your valuable feedback on these archive documents. Feel free to leave a comment—signing in with Google is optional if you'd like your name attached to your contribution