سوداوية المغرب المتهالك.. وزئير "ابن ريسون" في وجه خيانة الصالونات



بقلم: جعفر اللهيوي

 وطن يحترق.. و"سايبة" تلتهم الأمل

​في نهايات القرن التاسع عشر، لم يكن المغرب مجرد أرض، بل كان جرحاً نازفاً في قلب التاريخ. خيّم السواد على الأفق، والتهمت نيران "السايبة" القرى والمداشر، بينما كانت فتنة "بوحمارة" تخنق أنفاس العرش العلوي. في هذا المشهد الدرامي، حيث الفقر ينهش العظام والطبقية تفرق بين الأخ وأخيه، وقف الشريف مولاي أحمد الريسوني في شبابه، يرقب من فوق تلال الشمال احتراق الوطن.

​لم تكن وقفته بصمت ونظرته الحذرة تعبيراً عن عجز، بل كانت "هدوء ما قبل العاصفة". كان يرقب مغرباً يُباع في صالونات طنجة وتطوان، وإنساناً مغربياً أضحى مجرد "رقم" في حسابات القوى الدولية، تماماً كما كان الأفارقة يُستعبدون في أمريكا البرجوازية آنذاك.

 جنة "الأثرياء" وجحيم "المداشر"

​بينما كان الجبل يغلي، كانت طنجة الدولية تتحول إلى وكر لكل "عباد المال" والعملاء. أثرياء فروا من ويلات الحرب العالمية الأولى ليعيشوا جنتهم الخاصة على شواطئنا، خلف أبواب مقفولة في وجه المواطن الأصيل.

​ولم يكن المشهد في تطوان أقل قتامة؛ حيث برزت طبقة من الأعيان الذين أتقنوا فن المداهنة واللعب على الحبال، من أمثال بنونة والسلاوي والطريس ذو الوجهين. هؤلاء الذين عاشوا في "غلو" وبذخ بينما الشعب يعاني، ساهموا في تعميق الفوارق، فكان الطغيان يمارس تارة باسم المصلحة وتارة باسم التقرب من باشا طنجة والقوى الاستعمارية.

 "ها أنا ذا".. زلزال ابن ريسون

​وسط هذا الركام من التبعية، قرر الريسوني أن "يصنع نفسه". لم ينتظر صك غفران من صالونات المدن، بل استمد قوته من وعورة الجبل ونقاء النسب. وعندما صدح بكلمته الشهيرة: "ها أنا ذا"، تغيرت الموازين وتزلزلت الأرض تحت أقدام العملاء.

​هنا حدث التحول المهيب؛ أولئك البورجوازيون الذين كانوا يأنفون من ريح الجبل، تحولوا أمام هيبة "ابن ريسون" إلى ما يشبه القطط التي تحوم حول صندوق مليء بالطعام. صاروا يحومون حول "عرين الجبل" طمعاً في الأمان أو تقرباً من النفوذ، وهم الذين لم يروا في المغربي يوماً سوى وسيلة للثراء السريع.

الخاتمة: عزة الجبل في مواجهة خيانة الصالونات

​إن قصة الريسوني التي نؤرخها اليوم ليست مجرد سيرة، بل هي درس في الأنفة. لقد تعلم من رفاقه في الخلاء (الكلب الوفي، والثعلب الماكر، والقنفذ المتحصن) أن في زمن "السايبة"، لا عهد للعملاء ولا مكان إلا للأقوياء.

​لقد صنع الريسوني نفسه ليثبت أن "سلطان الجبل" أقوى من مواخير طنجة وصالونات تطوان المداهنة، ليبقى اسمه محفوراً في ذاكرة الشمال كقائد رفض أن يكون رقماً في تصور الطغاة.

لم يكن الريسوني مجرد ثائر، بل كان نتاج "سوداوية" مغرب متهالك، أدرك فيه مبكراً أن الثقة عملة مفقودة، وأن البرجوازية الصاعدة والعملاء وعباد المال لن يتركوا للفقير مكاناً تحت الشمس. لذا، كان عليه أن "يصنع نفسه" بقوة الشكيمة والرهبة.

"إنها اللحظة التي تسبق الانفجار.. لحظة ولادة الأسطورة من رحم الانكسار."



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الزعيم الأسطورة مولاي أحمد الريسوني: جولة في عقل ثائر".

المكيدة الكبرى: حين عجز الرصاص ولجأ الاستعمار إلى الغدر لإسقاط الريسوني

Episode 53: Decoding History – The Strategic Architecture of the 1921 Northern Moroccan Resistance