مأوى الاحرار في زمن الفتنة


 للا درة الريسوني" وحقيقة "دار الريسوني"

​مقدمة: الذاكرة التي لا تحرقها النيران

​في حي "مرشان" الهادئ بطنجة، قضت السيدة الفاضلة للا درة الريسوني (ابنة الزعيم مولاي أحمد الريسوني) سنواتها الأخيرة، حارسةً لذاكرة وطنية تعرضت لمحاولات محو ممنهجة. لم تكن مجرد شاهدة عيان، بل كانت شريكة في الحفاظ على إرث أسرة فتحت أبوابها للأحرار عندما ضاقت عليهم الأرض بما رحبت.

​شهادة أحمد معنينو: "دار الريسوني" صمام أمان

​يؤكد القطب الوطني الحاج أحمد معنينو في مذكراته، أن "دار الريسوني" لم تكن مجرد وجاهة اجتماعية، بل كانت ملاذاً سياسياً. ففي عز الصراع الحزبي الدامي الذي أعقب فترة الحماية، وتغول أجنحة مسلحة استهدفت تصفية الرموز (كما حدث في مأساة دار بريشة بتطوان)، برز دور السيد الخالد الريسوني (باشا العرائش وشقيق للا درة).

​الاحتضان: آوى السيد الخالد في منطقة "سبت الزينات" بفحص طنجة قادة من حزب الشورى والاستقلال ومن الوطنيين المستقلين، بعيداً عن أعين الميليشيات التي لم تكن تفرق بين استعمار ومعارض وطني.

​خطة الهروب الكبير: بمساعدة المؤرخ الوفي الطاهر اللهيوي، وبغطاء من قوات الباشا الخالد، تم تأمين انتقال هؤلاء الوطنيين ليلاً إلى السفن المتجهة إلى مصر، في عملية فدائية أنقذت النخبة المغربية من "مقصلة" الاغتيالات السياسية وحرق البيوت.

​مأساة "المكتبة المحروقة": محاولة إعدام التاريخ

​بينما كان حزب الاستقلال يسعى للسيطرة المطلقة، تعرضت "دار الريسوني" لضريبة باهظة. لم يكتفِ الخصوم بالتحريض السياسي، بل امتدت يد الغدر لحرق مكتبة الباشا الخالد الريسوني، وهي المكتبة التي كانت تضم كنوزاً من المخطوطات والوثائق التي تؤرخ لنضال الشمال. هذا الحرق كان يهدف لتشويه صورة الزعيم مولاي أحمد الريسوني وتصويره في خانة "الخيانة"، وهي الفرية التي تصدى لها لاحقاً حفيد الزعيم.

​مجهود الدكتور أحمد هاشم: ترميم الذاكرة بإشراف للا درة

​لم تكن للا درة لتسمح بانتصار "الرواية الواحدة". ففي أيامها الأخيرة، وبمرافقة دؤوبة من ابن أخيها الدكتور أحمد هاشم الريسوني، أشرفت على تنقيح وإخراج كتاب "تاريخ الزعيم مولاي أحمد الريسوني" للمؤرخ اللهيوي.

​الدكتور أحمد هاشم، بمنهجيته العلمية، استطاع جمع ما تبقى من شتات الوثائق التي لم تصلها النيران.

​كانت للا درة تراجع معه كل سطر، لتضمن أن الحقيقة التي عاشتها في مرشان وسبت الزينات والعرائش ستصل للأجيال القادمة، بعيداً عن تزييف "تجار السياسة".

​الخاتمة: سيدي بوعراقية.. المثوى الأخير للحق

​رحلت للا درة الريسوني ودفنت بضريح سيدي بوعراقية بطنجة، تاركةً وراءها كتاباً هو بمثابة "وثيقة براءة" ورد اعتبار. إن مرافقة الدكتور أحمد هاشم لها حتى الرمق الأخير كانت بمثابة "تسليم المشعل" من جيل عاش المأساة إلى جيل يوثقها بالعلم والمنطق.

​ملاحظة للنشر: هذا المقال يسلط الضوء على جانب إنساني ووطني لأسرة الريسوني، ويفضح المسكوت عنه في صراعات السلطة بالمغرب غداة الاستقلال، مؤكداً على دور "المرأة العالمة" في حماية التاريخ.

تعليقات

  1. أسرة الريسوني كان لها الفضل في عدة حروب والحرب التي دارت في موقعة وادي المخازن شاركت فيها واستشهد فيها سيدي علي بن ريسون دفين تازروت ببني عروس

    ردحذف

إرسال تعليق

We value your valuable feedback on these archive documents. Feel free to leave a comment—signing in with Google is optional if you'd like your name attached to your contribution

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الزعيم الأسطورة مولاي أحمد الريسوني: جولة في عقل ثائر".

المكيدة الكبرى: حين عجز الرصاص ولجأ الاستعمار إلى الغدر لإسقاط الريسوني

Episode 53: Decoding History – The Strategic Architecture of the 1921 Northern Moroccan Resistance