معركة البيوت ببلاد أنجرة: دهاء الزعيم أحمد الريسوني وحقيقة "المحرقة" المفتراة من أرشيف الطاهر اللهيوي



مقدمة المقال:

​في تاريخ المقاومة بشمال المغرب، تبرز محطات مفصلية حاول البعض تشويه حقائقها بإشاعات وافتراءات لا يصمد أمامها المنطق التاريخي. ومن بين هذه المحطات "معركة البيوت" في قبيلة أنجرة المتاخمة للحوز ووادراس. اليوم، ومن خلال أوراق والدي المؤرخ الطاهر اللهيوي، نضع النقاط على الحروف لنرد على المفتريين ونكشف دهاء الزعيم أحمد الريسوني في حسم واحدة من أصعب المعارك ضد تحالف الحماية وجنود المخزن.

1. السياق الجغرافي: أنجرة وبوابة الاستعمار الأولى

​تعتبر قبيلة أنجرة الموقع الجغرافي الاستراتيجي الذي دشن عبره الإسبان أولى طرقهم نحو الداخل المغربي انطلاقاً من بليونش (بينزو - Benzu) المجاورة لسبتة المحتلة. ومن هذا الموقع، حاول المستعمر تأمين ظهره ببناء المصانع وتعبئة الساكنة منذ عام 1913 لضمان تعاونهم ومنع أي تمرد، مما جعل المنطقة بؤرة صراع شديدة التعقيد.

2. معركة البيوت: دهاء الريسوني في مواجهة "فخ" التاريخ

​دارت رحى المعركة الحاسمة في مدشر البيوت، وهي ذات البقعة التي شهدت انكسار السلاطين العلويين في "حرب أفريقيا" سنة 1858 ومعاهدة وادراس المريرة. لكن الزعيم الريسوني، وبفضل قراءته الثاقبة للتاريخ، رفض أن يسقط في ذات الفخ الذي سقط فيه العباس ومحمد الرابع. وبدلاً من الثقة العمياء، نهج الريسوني سياسة "عدم الثقة بالظل"، محولاً الهزيمة التاريخية السابقة إلى نصر مؤزر حاصر به سبتة ذاتها، ليعيد للمنطقة مجداً أضاعه غيره.

3. حقيقة "محرقة البيوت": رد على افتراءات المنحازين

​يتساءل البعض لماذا لم يذكر المؤرخ الطاهر اللهيوي ما يسمى بـ "محرقة البيوت". والجواب بسيط ومنطقي: لأنها لم تكن موجودة أصلاً. إن اتهام المؤرخ بالتستر أو الانحياز للريسوني ينفيه المنطق العلمي؛ فلو كانت هناك محرقة مثبتة لذكرت كواقعة تاريخية. إن ما يروجه البعض اليوم ليس إلا "غيض من فيض" الافتراء على المجاهدين الذين خاضوا الحرب بدمائهم، فما يشعر بوطأة السلاح إلا من حمله يقيناً في وجه العدو.

4. الزحف نحو العاصمة: بيعة القبائل وتصحيح المسار

​بعد حسم معركة البيوت وإزالة "شوائب" الطريق الجهادي، لم يهدأ بال للزعيم الريسوني. فبمبايعة قبائل الشمال، بدأ الاستعداد للتحرك صوب مدينة فاس، معقل الإدارة التي طالها الفساد آنذاك، بهدف خلع قيود المخزن والحماية في آن واحد، مضحياً بزهرة شبابه في سبيل وحدة الوطن وتطهيره.

خاتمة المقال:

​إن "أرشيف شمال المغرب" سيظل الحصن المنيع ضد محاولات تزييف الحقائق. إن انتصار الحق في معركة البيوت لم يكن صدفة، بل كان ثمرة تجربة عسكرية ودهاء سياسي استثنائي للزعيم أحمد الريسوني، وثقه مؤرخنا الطاهر اللهيوي بأمانة الحياد ودقة البحث.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الزعيم الأسطورة مولاي أحمد الريسوني: جولة في عقل ثائر".

المكيدة الكبرى: حين عجز الرصاص ولجأ الاستعمار إلى الغدر لإسقاط الريسوني

Episode 53: Decoding History – The Strategic Architecture of the 1921 Northern Moroccan Resistance