بين الرصاص والوثيقة: قصة "الزلزلة" والنضال الصامت للأستاذ الطاهر اللهيوي
بين الرصاص والوثيقة: قصة "الزلزلة" والنضال الصامت للأستاذ الطاهر اللهيوي
مقدمة: في حضرة "الأيام العصيبة"
لم تكن أوائل الخمسينيات مجرد سنوات عابرة في تاريخ المغرب، بل كانت "أياماً عصيبة" كما وصفها والدي، المؤرخ الأستاذ الطاهر اللهيوي. أيامٌ امتزج فيها رصاص المستعمر بغدر الداخل، وصمدت فيها مبادئ رجال "حزب الشورى والاستقلال" أمام أمواج عاتية كادت أن تقتلع الجذور.
ليلة الرصاص في طنجة والنجاة المعجزة
يروي لي والدي -رحمه الله- والذكريات تحفر في وجدانه، أنه كان في اجتماع تنظيمي للحزب بأحد منازل طنجة الدولية، وفجأة، استحال النقاش إلى دوي رصاص! انهال قواد "حزب الاستقلال" على المنزل في محاولة لتصفية خصومهم السياسيين وفرض الهيمنة المطلقة.
في تلك اللحظات الفاصلة، كان والدي هو آخر من بقي في المنزل ليؤمن خروج الوفد، ولم يجد بداً من القفز من النافذة لينجو بنفسه من موت محقق، في مشهد يختزل تضحيات رجال آمنوا بالكلمة في زمن الرصاص.
وثيقة بنسودة: شهادة من قلب الأزمة
هذه الوثيقة التي أنشرها اليوم (صورة المراسلة أعلاه) هي رسالة تاريخية من القطب الوطني أحمد بنسودة، بعث بها من القاهرة في 20 رمضان 1372 (يونيو 1953) إلى والدي.
تأملوا معي دلالات النص:
- "الزلزلة التي حصلت في الصفوف": تعليق بنسودة على أخبار الهجوم الذي تعرض له والدي ورفاقه، واصفاً إياه بالابتلاء الذي يمحص الثابتين.
- "التقرير المرفق": تشير الرسالة إلى تقرير سري أعده والدي وهو تحت حماية الباشا خالد الريسوني في العرائش، بعد أن ضاقت به طنجة إثر حادثة الرصاص. لقد كان نجل الزعيم أحمد الريسوني يوفر الملاذ الآمن للوطنيين قبل أن يضطر هو الآخر للفرار إلى إسبانيا.
خريف النضال: ضريبة الثبات
في السنوات الثلاث التي سبقت الاستقلال، وبينما كان الكل قد اختفى أو هاجر، عاد والدي إلى قريته ليجد نفسه مطوقاً بقواد الاستعمار. حُكم عليه بثلاث سنوات من السجن مع الأشغال الشاقة، ليدفع ضريبة "صدقه" و"تقاريره" من عافيته وسنين عمره.
ومع بزوغ فجر الاستقلال، عادت الطيور المهاجرة؛ عاد الرفاق من القاهرة والمنافي، إلا الباشا خالد الذي آثر البقاء في المهجر. وبينما يمّم أحمد بنسودة وجهه شطر القصر ليغدو مستشاراً للملك الراحل الحسن الثاني، اختار الوالد -لأسباب ظلت حبيسة وقاره وعفته- أن يرفض بريق البلاط، مفضلاً البقاء وفياً لمبادئه النضالية بعيداً عن مغانم السلطة.
الخاتمة: وفاءٌ حتى المنية
ومع تغير الزمن وتصاريفه، لم يبقَ للوالد إلا الصداقة الصافية التي لا تشوبها شائبة. عاش ما بقي من العمر مع صديقه الوفي، الجهبذ مولاي أحمد الريسوني (زوج للا درة)؛ ذلك الرجل الذي كان من "الأباطرة"، صديقاً لـ "فرانكو" ورجل مال ونفوذ واسع، لكنه ظل "أخاً" صادقاً للوالد في السراء والضراء.
بقيا معاً يقتسمان صمت الحكماء ووفاء الأوفياء، لم تفرقهم تقلبات السياسة ولا إغراءات المناصب، حتى وافتهما المنية.. رحلوا جميعاً وبقي هذا الأرشيف ليشهد أن هناك رجالاً لم تشرهم الكراسي، ولم تكسرهم السجون، وأن الأثر يبقى حين يزول الشخوص.
"وكل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام"

تعليقات
إرسال تعليق
We value your valuable feedback on these archive documents. Feel free to leave a comment—signing in with Google is optional if you'd like your name attached to your contribution